تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

مكة المكرمة والتفاعل الحضاري العالمي

مكة المكرمة والتفاعل الحضاري العالمي

بقلم: د. ليلى صالح زعزوع 

      ( أكاديمية وكاتبة صحفية) 


يرتبط مكان مكة المكرمة المقدس بالمكان، وعلاقته بالناس في حيز له مجال عالمي من خلال رسالته السامية، وأننا نعيش فيه ونمارس فيه كل أبعاد التفاعل الحضاري، لأننا نرتكز على مرتكزات ودعائم أسست قبل أكثر من أربعة عشر قرنا، ولازالت لها سمتها التي حفظها الله عز وجل عبر السنين في هذا البلد الأمين، فالزمن والمكان والتاريخ، هم الشاهد على هذه القدسية المباركة للمكان وأهله وخصائصهم في هذا المكان الطاهر الشريف الذي نتحسسه من ذاتيتنا وهويتنا، من خلال ديننا الإسلامي، ونحن مسلمون نقدس فيه بيت الله. 

إن في مكة مجال نفوذ للتفاعل الحضاري نلمسه في المشهد الحضاري من خلال تأثير مجال مكة المكرمة من خلال نفوذها بالعالم أجمع على عدة مستويات هي : المحلية والإقليمية والعالمية، بسبب عمليات التواصل بين نظام مكة المكرمة والنظم المكانية الأخرى في شبه الجزيرة العربية وخارجها، ويحكم حركة التفاعل الحضاري عناصر من أهمها:

وفود الحجاج كل عام لحج البيت الحرام وأداء المناسك، وكذلك العمار والزوار في محيطها التفاعلي المتواصل من خمسة عشر قرنا. 

إذا هو شكل من العولمة تمارسه مكة المكرمة بحركة مستمرة منذ بناء البيت الحرام بانفتاحها على العالم الخارجي من خلال عدد من مقومات أساسية في عبادة المسلم : أهمها: التوجه إلى القبلة من كل أنحاء العالم في خمس صلوات كل يوم لكل مسلم. 

ونحن نعيش في عصرنا الراهن مرحلة تاريخية تواجه فيها أمتنا الإسلامية تحديات حضارية ، والذي يحتاج منا إلى رؤية عميقة لكي نعي حضارتنا التي تمثل أنموذجًا رائعًا يحكمه المدى الجغرافي في الحيز المساحي الذي تشغله في بلد الله الحرام.

إن الإسلام حضارة متجددة وهو مع الجديد والمتغير ، لكن مع الإقرار بالثوابت،  والتراث الإسلامي يشجعنا على الروح العالمية، ويطالبنا بجسارة العقلية، ويدفعنا دفعا في اتجاه الفعل في سبيل تغيير وجه العالم والكون وفق منهجنا الإسلامي. إن التغيرات من سنن الحياة وطبيعتها، ونحن نعي أن هناك تغيرات لكننا نرفض التغيرات المفروضة، ونقر بالتغيرات الطبيعية التي تجري في كل مجتمع، فالتغيير يجب أن نتعامل معه ونقلص سلبياته، وأن نرتفع بالإيجابيات لكي تعيش شهوبنا الإسلامية في عالم متغير بنمط حياة تستحقه في العالم الذي نشغل قلبه الحيوي. 

ويتجلى صدق هذا التعبير في مكة المكرمة – حرسها الله – لأن العقيدة الإسلامية تمثل لنا جوهر حضارتنا وقيمنا، فالحضارات تبنى وفق بناء معرفي واجتماعي وإنساني، وكل هذه المكونات تتفاعل داخل بنائها الحضاري وإن ترابط الموقع الجغرافي والموضع الحضاري هو نتاج بيئي فرض علينا وجودنا بوصفنا أمة وسطا وموقعنا في قلب العالم، وديننا الإسلامي. هذه القيمة في المكان وعبر الزمان. فالمقدس مثل لنا قناعة عقائدية وتاريخية تكتسب قوتها من الإيمان، وهو الذي يمنح الحضارة الوجود التاريخي، ويحقق البناء المتماسك ويكسبه القدرة على الانتشار في المكان والاستمرار عبر الزمان، فالحضارات التي لم يحتل الدين الصحيح فيها مكانة رمزية ولم يمثل المقدس التاريخي تستند على رؤى بشرية من اختيار البشر، فتصنع لذاتها المقدس الذي تؤمن به. 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل قلوبنا عامرة بالإيمان وبحبها وهوى أفئدتنا إليها، وهذه مقتطفات من قصيدة للفقيه عبدالله البطليموسي يخاطب مكة المكرمة حرسها الله : 

أمكة تفديك النفوس الكرائمُ 

ولا برحت تنهلّ فيك الغمائمُ 


ومن أين تعدوك الفضائل كلها 

وفيك مقامات الهدى والمعالمُ


وفيك لإبراهيم إذ وطي الصفا

ضحا قدم برهانها متقادمُ


دعا دعوة فوق الصفا فأجابه

وفود من الفج العميق وراسمُ


عليك سلام الله ما طاف طائف

بكعبتك العليا ما قام قائمُ 




مكة المكرمة والتفاعل الحضاري العالمي
Ehsan Logo