رؤية هلال شهر شوّال في عيون الشعراء القُدامى
حجاج سلامة
للعيد رونقه وبهجته في كل البلاد على مر العصور والأزمنة، وقد حظيت ليلة رؤية هلال شهر شوّال بعناية عظيمة من الحُكّام والعامة والشعراء وكل الطبقات على مدار قرون مضت وحتى اليوم، وقد سجّلت لنا كتب التراث العربي والإسلامي الكثير من مظاهر العناية برؤية هلال ذلك الشهر الذي تحمل رؤيته بشرى الإحتفال بعيد الفطر.
وتصف بعض المصادر التراثية هلال شهور شوّال بأنه من أحب الأهلّة إلى الناس كافة، وهو هلال جذب اهتمام الشعراء الذين كتبوا فيه القصائد التي تغنت بها الناس على مر الزمان.
وتوثّق لنا كتب التراث كيف أن الناس كانوا يضربون المثل بهلال شهر شوّال بالشيء البهيج الذي يُسر به الناس ويحتفلون بثبوت رؤيته والنظر إليه، وكيف تسابق الشعراء في كتابه القصائد التي تتناول تلك المناسبة.
وفي هذا السياق يورد لنا الباحث المصري الدكتور أحمد الصاوي، في كتابه "رمضان زمان: من الهلال والفانوس ومسحراتي الرسول إلى القطائف والطرائف وإدارة الكعك المعمول" والصادر عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة، يورد لنا الكثير من قصائد الشعراء القُدامى وهم يتغنون بهلال شهر شوّال، كقول الخليفة والشاعر والأديب عبدالله ابن المعتز:
مرّ بنا والعيون ترمقه
في قَدِّ غصن وحُسن تمثال
فخلته والعيون تنظره
من كلِّ فجٍ هلال شوّال
ويقول محمد البطليوسي:
كأن هلال الفطر لاح بوجهه
فأعيننا شوقاً إليه تميل
ويقول أبو الحسن السري بن أحمد بن السري الكندي الرفاء الموصلي:
ولاح لنا الهلال كشطر طوق
على لبات زرقاء اللباس
وله أيضا:
وكأن الهلال نون لجين
غرقت في صحيفة زرقاء
ومن أشعاره أيضا:
قد جاء شهر السرور شوّال
وغال شهر الصيام مغتال
أما رأيت الهلال يرمقه
قوم لهم – إن رأوه – أهلال
كأنه قد فضة جرح
فض عن الصائمين فاختالوا
ويروى أن الملك العادل أبي بكر بن أيوب - أحد ملوك الدولة الأيوبية – صعد إلى مئذنة جامع دمشق لرؤية هلال شوال ومعه القاضي والعدول، فغابت الشمس ولم ير الهلال أحد ثم رأته محظية لديه، فقال الملك لجبريل بن سكر المصري الشاعر المعروف بابن القصار، قُل شيئا في ذلك فقال ابن القصار:
توارى هلال الأفق عن أعين الورى
وغطى يستر الغيم زهوا محياه
فلما أتاه لاجتلاء خليله
تبدى له دون الأنام وحياه
ومما قيل في هلال شهر شوّال من الشعر القديم أيضاً:
ولاح هلال الفطر نضواً كأنه
سنا لواه الطعن في راس عامل
وتنقل لنا كتب التراث أن عدداً من الشعراء القُدامى اجتمعوا بمصر، فانشدهم كمال الدين علي بن محمد بن الحسن الملقب بـ "ابن النبيه المصري"، قول مؤيد الدين أبو إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الدؤلي الكناني المعروف بالطغرائي في هلال عيد الفطر:
قوموا إلى لذاتكم يا نيام
واترعوا الكأس بصفو المدام
هذا هلال العيد قد جاءنا
بمنجل يحصد شهر الصيام
فتبارى اثنين من الشعراء هما: كمال الدين علي بن محمد بن الحسن الملقب بـ "ابن النبيه المصري"، والشاعر الأندلسي علي بن ظافر، حيث قال ابن النبيه:
انظر إلى هلال بدا
يذهب من أنواره الحندسا
كمنجل قد صيغ من فضة
يحصد من زهر الدجا نرجسا
ثم أكمل على بن ظافر:
أما ترى الهلال يخفى أنجم الأفق
بنور وجهه الوسيم
كمنجل من فضة يحصد من
روض الظلام نرجس النجوم
وقد تعددت قصائد الشعراء القدُامى الذين تغنّوا كثير بعيد الفطر السعيد وهلاله الذي كان بشارة بهجة وسرور، وكما تبارى الشعراء القُدامى في نظم القصائد حول هلال شهر شوّال، فقد كانت التهنئة بقدوم عيد الفطر موضوعاً آخر يتبارون فيه، وفي ذلك يقول أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد الطائي المعروف بـ "البحتري" مُهنئاً المتوكل العباسي بصومه رمضان وبحلول عيد الفطر:
بالبر صمت وأنت خير صائم
وبسنة الله الرضية تفطر
فانعم بعيد الفطر عيداً إنه
يوم أغر من الزمان مشهر
وهكذا كانت ليلة رؤية هلال شهر شوّال موضوعاً يتبارى فيه الشعراء، ومناسبة للفرح ولإقامة الإحتفالات والمواكب العظيمة على مر الزمان.

