أدبيات الأمثال عند الشعوب
رندة صادق
الأمثال هي نتاج خبرة الشعوب وخصائصها ومميزاتها، لذا تجدها في حضارة كل شعب، تلخص نوادره وتتحدث عن أمور وقعت في حياته اليومية، حتى باتت حكمة تتناقلها وتستفيد منها الأجيال. المثل الذي هو نتاج موقف لحظي يقال فيه قوال فيصبح مثال، وقد اهتم فالسفة اليونان بالحكمة والتي قد تختلف بتعريفها عن ويتقارب مع الحكمة إذا نتج عن تجربة، أما الحكمة فهي تختلف عن المثل في الهدف والمصدر فهي نتاج تجربة خاصة يولّدها العقل بعد تحليلها؛ ليصل لحكمة يستفيد بها في حياته ويفيد غيره من خبرته. فأفلاطون كان يعتبر الحكمة أحد الفضائل الأربعة (الحكمة، والآداب والفن، وديكارت عرفها بأنها المعرفة المطلقة بما يجب ّ والعدالة، والشجاعة، والاعتدال)، أما أرسطو فقد اعتبرها رأس العلوم أن نعرفه لتدبير الحياة والمحافظة على الصحة واختراع الإنجازات والصناعات، اما الأمثال الشعبية فلها قيمة أدبية كبيرة، من هنا أدرك العرب قيمتها وبالغتها وتميزها فقاموا بجمعها في كتب للأمثال، منها (مجمع الأمثال) للميداني، (المستقصى في أمثال العرب) للزمخشري، (جمهرة الأمثال) للعسكري، وعدد آخر ال يقل أهمية من الكتب. وهذا الإهتمام بالأمثال يعود لما فيها من عبر نستخلصها من الحياة ، بكل أفراحها وأحزانها بعفوية وصدق وبعيدا عن الرياء، فهي بمجملها تراث فكرى لحياة الشعوب لما تتضمنه من قيم روحية، وإنسانية، فالأمثال الشعبية تختزل قصصا إجتماعية ساهمت فيما مضى وتساهم اليوم في تشكيل سلوكيات المجتمع وقيمه مما يساعد على تماسك المجتمع، خاصة ان هذه الأمثال لم تأتي من فراغ، بل هي جملة موجزة لقصص حدثت بالفعل أو اختلقت لتكون خزائن حكمة الشعوب التي يستفاد منها عند تعرض الإنسان لظروف مشابهة، اضافة الى ان البعض منها يمتاز بالطرافة وفيها أيضا نوادر تستحق المتابعة والاطلاع عليها ضرورة أدبية وإنسانية .اذا المثل الشعبي هو عبارة عن حكاية تعبر عن الحدث بأكمله مع مرور الزمن يتحول الى قول مأثور موجز العبارة يتضمن فكرة صائبة أو قاعدة من قواعد السلوك الإنساني، هذه العبارات القصيرة تعبر عما يجيش في صدور الناس مما لم يحسنوا التعبير عنه. ونحن نلمس أهمية الأمثال حين ندرك أن القرآن الكريم، اعتنى بالأمثال التي تضرب لنا أروع التوجيهات وأبلغها في تشكيل الشخصية الإسلامية، وتحصينها من العوامل الهدامة والشبه زائفة التي تسوق من اعداء الإسلام. ويطلق المثل في القرآن ليكون نموذجا أو أكثر لقضايا أو سنن أو أعمال تتشابه مع أحوال الأفراد والجماعات، ونفهم من خلالها كيف نتعامل معها ونقيس كل ما شابهها على مر الزمان، وبناء عليه يتم الحكم على كل المماثلات لها ذما أو مدحا. يقول الزمخشري: أن الأمثال لها شأن كبير في إبراز خفيات المعاني ورفع الستار عن الحقائق حتى يريك المتخيل في صورة المتحقق والمتوهم في معرض اليقين والغائب كأنه شاهد. ويقول الزركشي: أن الغرض من ضرب المثل تشبيه الخفي بالجيل والشاهد بالغائب فالمرغب مثال في الإيمان مثال إذا مثل له بالنور تأكد في قلبه المقصود والمزهد في الكفر إذا مثل له بالظلمة قبحه في نفسه .كما جعل ابن عباس معرفة الأمثال القرآنية من الحكمة التي يؤتيها الله للعبد المسلم. فقد روى الطبري بسنده عن ابن عباس قال في قوله : ( وَمن يؤت الحكَمَة فَقْد أوتي خْير كِثير) يعني: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه و متشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، ومن أمثال القرآن العظيم ، مثل سورة الرعد :قال الله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17]
والغاية من استخدام الأمثال في القرآن الكريم عديدة ومنها:
1. الوعظ والتذكير.
2. الحث والزجر.
3. الاعتبار والتذكير.
4. تقريب المراد للعقل وتصويره بصورة المحسوس لتثبت في الأذهان.
5. هداية تغري النفوس بالخير والبر وتمنعها عن الشر والإثم.
اما المثل من حيث طبيعته وتركيبته له مورد ومضرب، المورد هو القصة أو الحادثة التي أطلق فيها لأول مرة المضرب فهو الحال الذي نستخدمه فيه لمشابهته لقصة المثل. ومن المؤكد ان بعض الأمثال قد ال يكون صحيح او مقبول فقد فاشتهر به، ولما كانت الأمثال نتاج الناس جميعاً فقد جمعت الصحيح يشتهر مثل الصحيح وغيرَ الصحيح، يقول الفارابي: المثل هو ما ترضاه العامة والخاصة في لفظه ومعناه حتى ابتذلوه في ما بينهم وقنعوا به، وهو أبلغ الحكمة لأن الناس لا يجتمعون على ناقص. من جهة أخرى الأمثال فن قديم موغل في القدم، لذا هي تختلف في ألفاظها ولكنها تلتقي في مضمونها مع اختلاف مصادرها، قال إبراهيم النظام:(يجتمع في المثل أربع ال تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية) من هنا تتميز الأمثال بقوة تأثيرها وتكثيف لغتها وتماسك صياغتها وايجاز يختزل حكاية المثل وغايته. والأمثال ليست وليدة الصدفة بل هي لها أغراض اجتماعية وإنسانية، فالإنسان ال يقول كلاما إلا وله هدف من ورائه أو غرض يريد تحقيقه، ندرك من خلالها روح هذا الشعب، وما يعمل فيه من وإلا عد هذا الكلام سفسطة وهراء. وكذلك حين تتردد الأمثال على ألسنة الناس نوازع، ونستكشف آراءه في مختلف شؤون الحياة ونظرته إلى الكون، كما وتعكس أمثاله بصدق، مشاعره وأحاسيسه وآماله وآلامه وأفراحه وأحزانه وتفكيره وفلسفته وحكمته. وبما أن الأمثال مرآة لكل قوم، لذا نرى الأمثال الشعبية، مرآة ألخالق هذه المنطقة أو تلك وعاداتهم وطبائعهم وسجاياهم وأحوال معيشتهم. كما تصور أمثالهم عاداتهم المتوارثة في مجال المعالجات التقليدية. ولطالما صورت الأمثال الشعبية في بلاد الشام الحرمان الذي قد تعيش فيه العامة، وضيق ذات يدهم فعندهم حاجات ضرورية يحلمون بها، وال يستطيعون عمل جزء بسيط منها ومن هنا تصيبهم مختلف العلل. كما نجد مجموعة كبيرة من الأمثال المرتبطة بالطعام وعاداته: كذلك الأمثال المرتبطة بالنظافة. والعالقة المرتبطة بين الصحة والطقس. إذا ما نظرنا إلى حياتنا اليومية سنجد على الأقل موقفاً أو حدثاً واحدا قد ينطبق عليه إحدى الأمثـال العربية القديمة، لذا لنتعـرف على قصص بعـض الأمثال الشهيـرة التي قد تتطابق مع أحداث يومية تتكرر باستمرار. من جهة أخرى يقتضي التوضيح أنه ال يمكننا الجزم بصحة قصص الأمثـال ألنها غير موثقة وتتضارب الأقاويل حولها، وقد تكون قصة المثل حدثت مع أشخاص آخرين في أزمنة أخرى ولكن بالنهاية تعطي نفس المعنى ومن هذه الأمثال وقصصها نورد بعض الأمثلة: (اللي استحوا ماتوا)
يقال أن مجموعة من السيدات في عصر المماليك ذهبن إلي إحدى الحمامات الشعبية المنتشرة في ذلك الوقت، وفي هذا العصر كان لزاماً عليهن ألا يخرجن بدون تغطية الجسم والوجه بالكامل، ولكن بالطبع ليس بالحمامات .في أحد الأيام اندلع حريق هائل في إحدى الحمامات الشعبية، فخرجت معظم النساء عاريات، في حين رفضن البعض الآخر الخروج بهذا الشكل أمام الجميع وفضلن الموت، وبناءاً عليه جاء المثل ”اللي استحوا ماتوا“ (اختلط الحابل بالنابل): الحابل هو من يرمي بالرمح في الحرب والنابل هو من يرمي بالسهام، فالاثنين رماة فقد يختلطوا ببعضهم البعض، ويف رواية أخرى يقال أن الحابل هو من يمسك بحبال الخيول والجمال.. أما عن القصة المتداولة حول هذا المثل، يقال أن أحد رعاة الأغنام والماعز كان يقوم بتفرقة الأغنام والماعز ”المعاشير“ أي المليئة بالألبان عن الأغنام والماعز غير المعاشير تمهيدا لبيعهم أو الاستفادة منهم، ويف بعض الأحيان تختلط جميع الأغنام والماعز ببعضهم البعض فيكون رد فعل الراعي ”اختلط الحابل بالنابل“.(عصفور في اليد خير من عشرة على الشجر):هذا المثل تحديدا له العديد من الروايات والقصص وكلها تؤدي إلى نفس المعنى؛ وأشهرها، كان هناك شخصاً يحمل عصفور بيده وأثناء سيره وجد مجموعة عصافير على الشجرة، فطمع بهم، ومن شدة الطمع ألقى بالعصفور الذي بيده للصعود إلى الشجرة والحصول على مجموعة العصافير، ولكنه لم يفكر أن العصافير ستطير بمجرد
الوصول إليهم.. وبالفعل هذا ماحدث، وبقي وحيدا حزينا على طمعه، وتبقى الأمثال حكم الشعوب وخالصة تجاربها.. ومن هنا جاء المثل: ”عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة“

