رغم أعاصير المعرفة كتاب الجيب.. ثقافة صامدة
أحوال المعرفة: خاص
يبدو أن كتاب الجيب أو روايات الجيب تعود من جديد بعد أن غابت عن الساحة بشكل كلي أو جزئي خاصة بعد ظهور الانترنت وبرامج القراءة عبر الآي باد أو الحاسوب الشخصي، وقد لوحظت هذه العودة من خلال معارض الكتاب الأخيرة في أكثر من دولة عربية، ومن ذلك معرض الشارقة الأخير (نوفمبر 2017 م)، الذي الحظ المتجولون في أروقته وردهاته وجود (كتب الجيب) على أرفف عدد من دور النشر المشاركة في المعرض، وكذلك ارتفعت مبيعات روايات الجيب في معرض القاهرة للكتاب (يناير 2018م). كذلك لقي جناح (الكتاب المخفض) في معرض الرياض الدولي للكتاب (نسخة 2018 ) إقبالا كبيرا من زوار المعرض؛ نظرا لما ضمه من قائمة متنوعة من الكتب صغيرة الحجم رخيصة الثمن بهدف تشجيع هواية القراءة، وتنوعت موضوعاتها بين اجتماعية واقتصادية وشعر وروايات وسير ذاتية وعلمية متخصصة وقواميس وغيرها. وبالمجمل فإن قطاع النشر العالمي يشهد عودة عدد من الدور إلى طباعة أعداد كبيرة من (كتب الجيب)، وذلك بعد ملاحظتها لتنامي ظاهرة الإقبال على القراءة فى وسائل المواصلات العامة، التي يقضى فيها الشخص عددا من الساعات خالل الأسبوع، ذهابا وإيابا بين المنزل والعمل. واتجه عدد من الناشرين إلى إصدار مطبوعات موجزة تحوى اقتباسات من أعمال أدبية طويلة، ووجهات نظر قصيرة حول بعض المواضيع، إذن فهي عود حميد لكتاب الجيب كما يراها الذين يحملون ذكريات جميلة ممن شكلت هذه الكتب زادهم المعرفي في العقود الأخيرة من القرن العشرين.
ما هو كتاب الجيب
كتاب الجيب هو كتاب عادي لكنه يتميز بصغر حجمه حتى نسبيا يسهل وضعه فى الجيب، كما يكون سعره منخفضا مقارنة مع بقية الكتب الأخرى، ويعود ذلك إلى نوعية الورق المستخدم فيه وربما تكون أقل جودة، حيث يقع استعمال نوعية ورق زهيدة، ويكون الغلاف ورقيا أو من الورق المقوى، كما يتم استعمال الغراء لجمع الأوراق. ظهرت كتب الجيب منذ منتصف القرن التاسع عشر ولكنها لم تعرف انتشارا واسعا في جميع أنحاء العالم إلا في ثلاثينات القرن العشرين. ويحظى بشعبية كبيرة خاصة بين اليافعين والشباب. وفي كثير من الأحيان، تصدر دور النشر طبعات في شكل كتاب الجيب للكتب الناجحة أصال في الشكل العادي. لكتب الجيب شعبية كبيرة خاصة عند الشباب بفضل ثمنها المناسب. وثمة مقاسات متعارف عليها -عالميا- بالنسبة للكتاب، حيث نجد أن من مواصفات الكتاب كبير الحجم أن يكون 24-17 سنتيمترا، نجد أن مقياس الكتاب الطويل جدا يكون حوالي 30-22 سنتمترا، بينما مقياس الكتاب متوسط الحجم يكون حوالي 20-14 سنتمترا، غير أننا نجد أن كتاب الجيب يتراوح مقياسه حوالي 14-9 سنتمترات. أما فيما يتعلق بصفحات الكتاب، فإننا نجد أن الكتاب الكبير جدا يكون عدد صفحاته بضع مئات من الصفحات، بيد أن كتاب القياس الكبير قد يكون عدد صفحاته ما بين 200 - 300 صفحة، وأن الكتاب المتوسط يكون حوالي
المئة والعشرين صفحة أو أكثر أو أقل، لكن الكتاب الصغير يكون عدد صفحاته ما بين ال 60 - 90 صفحة، وهي جميعها أقيسة وأرقام تقريبية، قد يتم الالتزام بها، من قبل مؤلف الكتاب، أو صاحب دار النشر، أو قد اليتم الالتزام بها أيضا.
تاريخ ظهور هذا الوسيط
في عام 1830م، بدأ الناشرون البلجيكيون يطبعون كتبهم صغير يسهل حمله، ولم يكن في طبعات ذات قطع يتوقعون أنهم بذلك قد دخلوا بالبشرية عهدا مختلفا في وسائط المعرفة الورقية، سوف يظل تأثيرها وتظل مكانتها من دون منازع، حتى نهايات القرن العشرين، عندما بدأت شبكة الإنترنت ووسائط الإعلام والمعرفة الرقمية في الظهور والانتشار. وفي العام 1838 م، حول الفرنسيون الثالثة، جيرفيشار بونتيي، ولويس هاشيت، وميشيل ليفي، فكرة الكتاب صغير الحجم إلى منظومة استثمارية واسعة النطاق. ومنذ ذلك الحين، تحول كتاب الجيب إلى أهم وسيط ثقافي في التاريخ، بعد اختراع الطباعة في القرون الوسطى، ويكفي هنا أن نشير إلى أن دار (هاشيت) الفرنسية، ومنذ العام 1941م، وحتى العام 2015م، قد وزعت 165 مليون نسخة بـ43 لغة، بمعدل وصل إلى 400 ًّ عنوان سنويا، من سلسلتها الشهيرة (كتاب الجيب).
أهمية كتاب الجيب
بحسب عدد من المتخصصين في مجال النشر والمهتمين بالوعي القرائي فإن (كتاب الجيب) بمحتواه العلمي أو المعرفي أو الأدبي، له دور مهم فى تشكيل وعى ملايين الشباب على امتداد العالم العربي، وجذبهم إلى القراءة، وإثراء عالمهم بالمعارف المتنوعة، والأفكار الخيالية، والقصص المسلية، فمنذ ظهور هذا النوع من الكتب، نجحت في أن تحظى باهتمام الشباب، وذلك نظرا لما تضمنته من قصص مميزة سواء في عالم الألغاز أو الخيال العلمي أو الثقافة العامة. كما أن هناك شريحة كبيرة يستهويها تصميم وإخراج كتب الجيب، بجانب المواضيع الشيقة التي تحتويها، كذلك فإن كتاب الجيب يتميز ببساطته، وسهولة حمله والتجول به، وقراءته في أي زمان ومكان، حتى في أوقات الانتظار في محطات المترو والمواصلات العامة، وغيرها من المناسبات. هناك محاولات مهمة في العواصم العربية، وبعض دور النشر العربية، للإخراج سلاسل لكتب الجيب في مجالات علمية وثقافية هادفة، شملت حتى كتب الأطفال والناشئة، المكتوبة والمصورة. كذلك ال نغفل جهود بعض المجلات العربية التي تصدر كتب للجيب مع أعداد مجلاتها، وأبرز هذه المجلات، مجلة (الأزهر) القاهرية، و(الرافد) التي تصدرها حكومة إمارة الشارقة، و(المجلة العربية) السعودية.
صمود رغم المنافسة القوية
كتاب الجيب شأنه شأن أي إصدار ورقي يواجه صعوبات أو منافسة قوية منذ ظهور الحاسب الآلي بأجياله المختلفة الأحدث، وكذلك الهاتف الذكي المحمول، الذي تحول إلى وسيط ترفيهي وثقافي ذي قدرات غير محدودة، وغير ذلك من الرقميات و وسائل الـ(إنفوميديا)، إلا أن (كتاب الجيب)، يظل على رأس وسائل القراءة والاطلاع، ولاسيما في العالم العربي، لأكثر من سبب، فأولا ليس بمقدور كل الناس أن يطالع الكتب والمواد الثقافية المقروءة على الإنترنت، أو على الوسائط الإلكترونية بشكل عام. كما أن (كتاب الجيب) لا يزال أكثر سهولة في تداوله من الهواتف الذكية وغيرها من الوسائط، حتى الحواسب الآلية وملفات الـ(WORD ) والـ( PDF)، في ظل كثرة المشكلات الفنية التي تعترض تداول هذه الوسائط والتعامل معها، فهناك مشكلة نفاد البطارية في الهواتف الذكية، ومشكلات البرمجيات في حالة الحواسب الآلية. ُ و من وجهة أخرى، فإن الهواتف الذكية عندما تستخدم في قراءة بعض الكتب؛ فإنها في هذه الحالة تكون (كتابا للجيب) ولكن في صورة غير ورقية؛ حيث ال يزيد حجم أكبر الهواتف الذكية على الـ5.5 بوصة!. كذلك ال يزال (كتاب الجيب) الأسهل في بعض المواقف التي يلجأ الإنسان فيها للقراءة أكثر من غيرها، مثل المواصلات المزدحمة في المسافات الطويلة، وكذلك قبل النوم؛ حيث إنه ال يمكن لإنسان من هواة القراءة قبل النوم، أن يقرأ كتابا إلكترونيا بأية صورة من الصور، فهو بالأساس يقرأ مادة خفيفة، ألجل استرخاء الأعصاب، وإراحة الأفكار، بينما الوسيط الإلكتروني يجعله دائما منتبها خلال الاستعمال. وليس أدل على صمود كتاب الجيب، من أنه في الغرب، وبالرغم من أن الوسائط الإلكترونية مثل الهاتف الذكي والتابلت، والإنترنت، وغير ذلك، قد أثرت على الكتاب الورقي العادي، وعلى الصحف الورقية اليومية والأسبوعية، إلا أن (كتاب الجيب) ظل في مكانته، بل ويتضاعف إنتاجه، ويظل عامل الربحية الأساسي لدى الكثير من دور النشر، في ظل صعوبة كسر احتكاره لكل ما هو سهل وسلس وبسيط في عالم القراءة والثقافة.
المراجع
1) جريدة اليوم السابع المصرية 10 نوفمبر 2017 م
2) الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)
3) جريدة الخليج 17 / 11 / 2014
4) موقع بصائر الفكر29 أكتوبر 2016
5) جريدة الأهرام 10 / 11 / 2017
6) موقع بصائر الفكر29 أكتوبر 2016

