الأبواب والنقوش الخشبية التقليدية في عمارة المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية
حجاج سلامة
يكتسب الحديث عن التراث والبحث فيه أهميته من كونه يُشكّل مدخلاً للهويّة، ومن هنا جاء اهتمام المملكة العربية السعودية، وبلدان المنطقة والعالم بالتراث بكل صورة وأشكاله، بما في ذلك العمارة التقليدية وكل ما يتعلق بها من حرف وفنون.
ولما كانت المملكة العربية السعودية، تمتلك تراثاً معمارياً فريداً ينتشر في كل مناطق المملكة، ولما كان ذلك التراث المعماري يُمثّل إرثا سعودياً وإنسانياً مُهماً، وجب حمايته ودراسته، فقد حظيت العمارة السعودية القديمة باهتمام كبير من قبل الجامعات والباحثين داخل المملكة وخارجها.
ويأتي الباحث السعودي في مجال العمارة التراثية، الدكتور سعيد الوايل، كأحد الوجوه السعودية التي اهتمت بعمارة بلادها وبتراث المملكة وفنونها التاريخية، حيث أنجز مجموعة كبيرة من البحوث والمؤلفات التي توثق لفنون العمارة التقليدية داخل المملكة، وفي بلدان الخليج العربي.
ومن بين البحوث والمؤلفات التي وضعها الدكتور سعيد الوايل، كتاب "الأبواب والنقوش الخشبية التقليدية في عمارة المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية"، الذي سعى"الوايل" من خلال فصوله وصفحاته إلى تشكيل بانوراما متسقة تاريخياً وجغرافياً للأبواب والنقوش الخشبية التقليدية في عمارة المنطقة الشرقية عبر منهج علمي، تضمن التوثيق والتحليل في مرحلتين متعاقبتين من البحث من أجل التقييم والإستنتاج.
وقد جاء ذلك الاهتمام من قبل الباحث بموضوع الكتاب الذي بين ايدينا، لغنى ذلك التراث في مستقرات شرقي الجزيرة العربية، والذي جاء نتيجة لتراكم معرفي منح المنطقة وعمارتها وكل معالمها أصالة وتفرّد أوجب توثيق وحفظ وتحليل تراث المنطقة وموروثها الشعبي.
ويؤكد لنا مؤلف كتاب "الأبواب والنقوش الخشبية التقليدية في عمارة المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية"، أن ذائقة الإنسان تشكّلت على هذه الأرض منذ عصور سحيقة وموغلة في القدم, لافتاً إلى أن المؤرخين والمصادر التاريخية التي تدعمها التنقيبات الآثارية عن حضارة إنسانية عريقة ومدن تاريخية عظيمة كانت رابطة على هذه الأرض منذ العصر الحجري وما تلاه من الأزمنة من عصور ماقبل التاريخ في مكتشفات حضارة العُبيد ومدن ثاج والحنا وعين جاوان ومجان والجرهاء ومدن الفينيق والإغريق في العصر الهيلنستي, مرورا بالمشقر والعصر الساساني, ثم الفتح الاسلامي وجواثا بني عبد القيس, والمأمونية وماتبعتها من دول وحكومات، حيث كان نتاج الإنسان على هذه الأرض ممزوجا بعبقرية تزامنت فيها الرؤى وحالة التوافق بين الإنسان والمكان, وأظهرت تلك العبقرية التعاطي الإيجابي مع مختلف الصور والظواهر البيئية والطبيعية التي آمن الإنسان بأنه جزء منها.
وبيّن الدكتور سعيد الوايل في مقدمة كتابه، أنه خلال القرون الماضية, شكلت المدن والقرى والتجمعات السكنية في شرق شبه الجزيرة العربية نواة المجتمع الحضري, وحظيت بتنوع بيئي وبشري فريد ساعد على استقطاب المنطقة لموجات من الهجرة البشرية من داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها, بسبب الطاقات والثروات الهائلة المتوفرة في المنطقة وفي مقدمتها مصادرالمياه وانتشار الزراعة وكذلك تعدد مصادر الدخل والرزق الكريم, مما أكسب المنطقة ثراءً وتنوعاً في الطاقات البيئية والبشرية, التي جعلت من المجتمع المدني في شرقي شبه الجزيرة العربية من أكثر الشعوب التواقة لبناء مجتمع مدني متين ومتماسك, على الرغم من الأوضاع المعيشية الصعبة في ظل التقلبات السياسية والطبيعية من حروب وصراعات وأمراض فتاكة, والظروف المناخية القاسية التي كانت تعصف بالمنطقة, إلا أن المجتمع المدني في المنطقة تجاوز الكثير من تلك المحن والصعوبات بروح ايمانية ثابتة وعزيمة صلبة أسست لواقع الإنسان في محيطه, وجعلت المنطقة من أهم وأغنى الواحات الزراعية في الجزيرة العربية.
واعتبر "الوايل" أن الحقبة التي تلت ضم الملك عبد العزيز ( طيب الله ثراه ) للأحساء في عام 1331هـ- 1913م من أكثر فترات الإزدهار, والتي كانت بحق الانطلاقة الحقيقية للعمارة المحلية, إذ عم الأمن والاستقرار وبدأت حركة البناء والتشييد تتسارع, وبدأ الناس في الخروج من حدود الأسوار الخارجية للمدن والتجمعات السكنية. كذلك كان للتطور الكبير الذي شهدته العمارة المحلية وابتكار البنائين لطرز وأشكال معمارية وفنية من وعقود وقوالب زخرفية, الحافز الأكبر للنجارين على الإهتمام بالأجزاء الخشبية التي تقف جنبا إلى جنب مع العمارة التقليدية المحلية, وقد شهدت صناعة الأبواب الخشبية ازدهاراً وزيادة في الطلب عليها مع الامتداد العمراني, وبروز مجموعة من الحرفيين الأساتذة الذين عرفوا بقدرات ومهارات كبيرة تجلت في الأعمال التي نفذوها والتي مهدت الطريق لتطور هذه الصناعة وظهور أنماط وأشكال فنية وزخرفية متعددة.
ووفقا للكتاب ونصوصه، فلم تكن حرفة النجارة تسير في معزل عن الحياة العامة وباقي الحرف والفنون الأخرى بل كانت تسير بشكل متوافق ومتوازن مع إيقاع الحياة, تتأثر بالمتغيرات والتحولات في البيئة والمجتمع المحيط, وتعتبر النجارة وصناعة الأجزاء والقطع الخشبية في العمارة من أهم الحرف المساندة للعمارة والمكملة لها, ويقع عليها إعتماد كبير سواء للبنائين أو لصاحب المبنى حيث ينظر الجميع لدور الحرفي النجار في ابتكار الحلول التي تساهم وتساعد في تكيف المبني مع البيئة المحيطة, وتعديل المناخ القاسي, وكذلك الحفاظ على نواحي الخصوصية والأمن والحشمة.
وكما نطالع على صفحات الكتاب، فإنه يُنظر اليوم لمسائل الحفاظ عل التراث العمراني بأهمية كبيرة, ولم تعد عملية الحفاظ على التراث العمراني وصونه ترفاً أو من القضايا الثانوية, بل أصبحت تندرج تحت منظومة العمل الوطني, والذي تتسابق فيه المنظمات والهيئات الدولية لإطلاق التشريعات والأنظمة والقوانين الدولية التي تنظم هذا التوجه إيمانا منها بالدور الثقافي الكبير الذي بالإمكان أن تؤديه في ظل الإيقاع السريع للحياة العصرية وسيطرة الأفكار الغريبة والتي تحاول مسخ هوية المجتمعات المحلية, كما أن مفهوم الحفاظ العمراني لم يعد يعني مجرد ترميم المباني التراثية، بل تطور هذا المفهوم إلى توجه المنطمات والهيئات الدولية لغرس مفهوم تأهيل المبنى وإشراكه في منظومة الحياة العامة بكافة مناشطها, وتفعيل دوره من مجرد مبنى تراثي مرمم إلى مؤسسة ثقافية فاعلة ومؤثرة في البيئة العمرانية والسكانية المحيطة.
ويُعبر الدكتور سعيد الوايل من خلال مقدمة وصفحات كتابه "الأبواب والنقوش الخشبية التقليدية في عمارة المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية"، عن فخره واعتزازه بتلك المأثورات والتحف والنقوش الفنية، مُعتبراً أن ذلك الفخر والإعتزاز نابع من معرفة وقناعة بأهميتها والدور الذي كانت تؤديه في المجتمع المحلي والجماليات التي أكد عليها الفنان الشعبي, وماتحمله من مضامين ورؤى وتصورات فطرية تؤكد على علاقة الإنسان بالمكان والأرض والبيئة ومحاولته استلهام الطرق والأساليب الفنية المتوارثة لمجتمع عريق تمتد جذوره في عمق التاريخ.
ورأى "الوايل" بأن الدافع للإهتمام بموضوع الكتاب، وهو الأبواب والنقوش الخشبية التقليدية في عمارة المنطقة الشرقية، ليس مجرد الحنين لتلك الفنون المندثرة، بل أيضا القناعة التامة بانها فنون تحمل صفة التجدد والاستمرارية وبإمكانها الانخراط في منظومة الحياة العصرية, الذي نشهد فيه اهتماما ملحوظا وتوجها واضحا نحو الفنون الزخرفية في الكثير من المشغولات.
ويدلنا الكتاب على أن النقوش الخشبية المحلية تندرج ضمن منظومة الفنون الإنسانية، وهي ذات خصائص وسمات فنية تحمل في طياتها معان ورؤى وتصورات فطرية استوحاها الفنان الشعبي من علاقته بالمكان وارتباطه بالأرض والبيئة وهذا ماسوف نلحظه جليا من خلال أبواب الكتاب التي حاولنا التركيز فيها على جماليات تلك النقوش والتحري عن مصادرها ومنابعها الرئيسية.
هذا، وينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أبواب. في الباب الأول قدّم المؤلف لمحة عامة لتاريخ شرق الجزيرة العربية من المملكة العربية السعودية عبر مختلف العصور, والتنوع البيئي لهذه المنطقة, ومايرتبط بالحرف والفنون التقليدية المحلية وخصائصها, مع التركيز على حرفة النجارة وصناعة الأبواب الخشبية التقليدية, واستعراض أنواع وخصائص الأخشاب المستخدمة. وتم تخصيص الباب الثاني للحديث عن خصائص المعمار المحلي والعوامل المؤثرة فيه وأهم المراكز السكانية, وكذلك الأبواب التقليدية من حيث أنواعها وأسمائها ومميزات كل نوع, والأجزاء الأخرى المكملة لها وأيضا الشبابيك التقليدية .
أما الباب الثالث فأعطى المؤلف للقارىء نبذة مختصرة عن الفنون الزخرفية في العصرالاسلامي, وسمات الفن الزخرفي الإسلامي في النقش على الخشب, وخصائص الزخارف والنقوش الخشبية في شرق الجزيرة العربية من حيث مراحل تطورها ومنابعها, وأنواع وأشكال العناصر الزخرفية وأسمائها وأساليب النقش المتبعة, وأوجه الصلة والتقارب لتلك النقوش بالنقوش الجصية, وكذلك الأدوات المستخدمة.
ونذكر من عناوين الكتاب: الدلالة الجغرافية لشرق الجزيرة العربية، و لمحة من تاريخ شرق الجزيرة العربية من المملكة العربية السعودية، وشرق الجزيرة العربية من المملكة العربية السعودية في العصر الحديث، والبيئة المحلية لشرق الجزيرة العربية، وتنوع بيئة شرق الجزيرة العربية، والفنون والحرف التقليدية المحلية، والفنون التقليدية فنون جماعية، والفنون التقليدية بين المنفعة والجمال، والنمطية في الفنون التقليدية، ومصادر الثقافة الشعبية، والنجارة والقلافة، وأشهر الحرفيين، والأخشاب المحلية، وأشجار النخيل، وخشب السدر، وخشب الأثل، والأخشاب المستوردة، وتقطيع وتشريح الأشجار، وتشريح جذوع النخل، والعمارة التقليدية في شرق الجزيرة العربية، وخصائص المعمار المحلي، والأنماط المعمارية في شرق الجزيرة العربية، وأهم المراكز السكانية في شرق الجزيرة العربية، وأنواع الأبواب:الباب المسماري، والباب المقطـَّع، وباب أبوخوخة، والباب البغدادي، وباب بوصاي، والباب البادوري، وأبواب المزارع ، وأبواب المحلات، وأبواب القلاع والحصون، والنقوش الخشبية، والنقوش الخشبية الإسلامية، والنقوش والزخارف المحلية، و مراحل تطور النقوش الخشبية المحلية، والزخارف المحلية وخصائصها، وغير ذلك من الموضوعات المتعلقة بالأبواب والنقوش الخشبية التقليدية في عمارة المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية،

