تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

صاحب موسوعة طريق الحرير أشرف أبو اليزيد: العرب كانوا وسيطا تجاريا مهماً بين الشرق والغرب

صاحب موسوعة طريق الحرير أشرف أبو اليزيد: العرب كانوا وسيطا تجاريا مهماً بين الشرق والغرب

حوار: عبد الله السمطي


شكل طريق الحرير صورة مكبرة من صور تلاقي الحضارات والثقافات والشعوب، هذا الطريق التجاري الهائل الذي ربط بين أكثر من ٣٧٠ مدينة ومعلم خلال امتداداته المتعددة من شمال آسيا وغربها إلى جزيرة العرب إلى الهند والصين.. الشاعر الرحالة أشرف أبو اليزيد الذي طاف مدن الشرق وعمل على بسط علاقات ثقافية بين العرب والشرق خلال رحلاته.. أصدر موسوعة مهمة عن طريق الحرير، صدرت عن مكتبة الإسكندرية - يوليو ٢٠١٣م رصد فيها هذا الطريق وأهميته التاريخية والجغرافية والثقافية والاقتصادية، وحدثنا في حواره مع: أحوال المعرفة عما تتضمنه موسوعته، وسبب إصداره للموسوعة وأبرز الطرق المتفرعة عن طريق الحرير وأبرز أنواع التجارة في العالم القديم. ودور العرب في هذه التجارة وإلى نص الحوار:

 كيف بدأت التفكير في الموسوعة؟

أعتقد أن هناك ثلاثة أسباب أساسية وراء هذا الأمر، أولها ندرة المراجع العربية التي تتناول بين غلافين هذا الموضوع، والثاني هو استمتاعي الخاص بالفنون والآداب والتواريخ الخاصة بكل مدينة مر بها طريق الحرير، والثالث - وربما ليس الأخير - هو أنني نذرت جزءا من جهدي البحثي والإبداعي والصحفي لبسط الطريق بين العرب والشرق الآسيوي. الأيام التي عشتُها في مدن طرق الحرير، هي التي أحيت فيَّ فكرة كنتُ أظنها مرهونة بالتاريخ وحسب. فقد كان الغالب أن طريق الحرير مرتبط بالماضي، وأردت، بالبحث في متونه، والقراءة عن فنونه، والتنقل بين مدنه، أن أثبت أنه لم يمت. هكذا رأيته في سمرقند و بخاری مثلما عايشته في كاشغر وأوبال.

هل أسفارك المتعددة ألهمتك إصدار هذه الموسوعة؟

بجانب السفر هناك القراءة، وكلاهما لا يغني واحده عن الآخر، على العكس كلاهما يثري جوانب مغايرة، والمكان الواحد يختلف حين تزوره مرتين، وبينهما تجربة قراءة. رحلاتي من الصين إلى كوريا، وبين الهند وأوزبكستان وتركيا، ومن إيران لتتارستان وسواها، فضلا عن المدن العربية، وأشهرها مثالا مدينة حلب، جميعها شكل زادا لهذه الكتابة.

إلى أي مدى ينتشر مسمى طريق الحرير في ثقافات الشرق؟

طريق الحرير هو اسم جامع لخطوط القوافل المنقولة برًّا من وإلى الصين. ومن المصادر الصينية يمكننا العثور على عدة خطوط رئيسية أولها الطريق الذي كان ينطلق من تشانغآن (شيان حاليا) ليعبر ليانغتشو (ووي) الواقعة في ممر خشي، وقانتشو (تشانغيه) وسوتشو (جيوتشيوان) وآنسي حتى يصل إلى واحة دونهوانغ حيث يتفرع إلى الخط الشمالي والخط الجنوبي. أما بداية طريق الحرير الشمالي فكان يجتاز الصحراء من واحة دونهوانغ، ويتقدم مع السفوح الجنوبية من جبال تيانشان، فيمر بما يقع على امتدادها من توربان ويانتشي وتشونسي (كوتشار) حتى يصل إلى مدينة كاشغر في أقصى شمال غرب الصين، بمنطقة شينج يانج، قرب الحدود مع باكستان وقرغيزيا وأزبكستان وأفغانستان والهند. أما الخط الجنوبي فكان يبدأ من واحة دونهوانغ، ويتقدم مع السفوح الشمالية من جبال التن وجبال كونلون حيث يمر من شانشان (روتشيانغ) ویویتیان (ختیان حاليا) وشاتشه حتى كاشغر أيضا. وكانت واحة دونهوانغ التي تقع عند ملتقى خطوط المواصلات بين الصين والغرب، تعتبر همزة مواصلات بين الصين وآسيا الوسطى وغربي آسيا وأوربا، ومركزا للتبادلات الحضارية بين الصين والغرب. أما كاشغر التي تحتل الموقع الاستراتيجي من طريق الحرير، فقد كانت تعتبر البوابة الغربية من الصين، كما كانت تعرف بدرة طريق الحرير لما فيها من واحات وارفة الظلال غنية بشتى الإنتاجات. الطريق الذي يبدأ في کاشغر كان ينطلق باتجاه الغرب متفرعا إلى خطين آخرين يدخل أحدهما في وادي فرغانة عبر فجاج تيريك دافن، ثم يمر بسمرقند و بخارى حتى مرو (مدينة ماري بتركمانستان حاليا)، أما الآخر فكان يجتاز هضبة البامير ويخرج من قلعة البرج الحجري ويمر ببكترا حتى مرو أيضا. من المدن المحطات الرئيسية على طريق الحرير سمرقند وبخاري ومرو. أما سمرقند فقد ذكرت بالمراجع الصينية باسم مدينة شيوانجين، أو مدينة ساموجيان، أو مدينة سمرقند (تاريخ مينغ). أما بخاري فكان اسمها مدينة بوهوه وبوهه. أما مرو فمدينة قديمة تدعى بالمراجع الصينية حينا مولو، وحينا ماليوو. وكانت مرو ملتقى عدة فروع من طريق الحرير، الأمر الذي جعل منها مركزا هاما في خط خراسان الحريري. أما بكترا فهي المدينة الزرقاء، ونعرفها في الأدبيات العربية الجغرافية باسم بلخ. من طرق الحرير أيضا دربٌ كان يجتاز هوكاتومبيلوس عاصمة الأسرة الأرساكسية (٢٤٧ق.م - ٢٢٦م)، وتقع في إيران الحالية، وكان ذلك الدرب يعبر أكباتان (همدان حاليا) حتى ينتهي إلى سلوقية وقطيفسون (اللتين جمعتهما مدينة المدائن) وكانتا مدينتين متقابلتين على شاطئي دجلة. وكانت هناك عدة طرق تمتد من سلوقية وقطيقسون صوب سورية وآسيا الصغرى ومصر حتى تنتهي إلى أوروبا. كان الأمن والخطر يتقاسمان طرق الحرير. وكان من الطرق ما هو محفوف بالمخاطر أكثر من سواه، مع وجود تقلبات سياسية عديدة. سبق للصين بأقوامها الغالبة وأقلياتها، ممارسة التبادل الاقتصادي والثقافي مع الأمم القاطنة في آسيا الوسطى وغربي آسيا قبل أسرة هان (٢٠٦ ق.م - ٢٢٠م). ولما دخلت الصين في عهد أسرة هان الغربية (٢٠٦ ق.م - ٢٥م)، بدأت الاتصالات بينها وبين المناطق الغربية تنشط أكثر فأكثر، حيث كانت القوافل تتتابع وتتعاقب على مدى الأنظار. يعود جُلُّ هذا النشاط إلى تشانغ تشيان الذي شق الطريق إلى المناطق الغربية، إذ رحل إلى المناطق الغربية بصفته مبعوثا إمبراطوريا مرتين، الأولى في العام الثاني من فترة جيان يوان (۱۳۹ ق.م) - عهد الإمبراطور وودي من أسرة هان، الثانية في فترة شوسي (۱۱۹ ق.م) من عهد الإمبراطور نفسه، وخط سفره هو ما سبق ذكره على الوجه التقريبي من الخطوط الممتدة بين تشانغآن و مرو، فكان هو ومرافقوه أول من رحلوا عن الصين بصفة رسمية إلى تلك المناطق حيث قاموا بالاستطلاع الميداني وربطوا بين خطوط المواصلات بجهودهم المستمرة، مما مكنهم من إقامة الخط الرئيسي للمواصلات بين شينجيانغ وغربي آسيا عبر أواسطها والتعرف بعمق على أحوال البلدان التي تقع على امتداد طريق الحرير، فأقاموا وعززوا روابط الصداقة بين أسرة هان وأبناء آسيا الوسطى ومن بينهم العرب، دفعوا عجلة التبادلات الاقتصادية والثقافية بين الشرق والغرب إلى الأمام، بينما وثقوا الصلات بين أبناء أواسط بلاد الصين وأبناء الأقليات القاطنة في المناطق الغربية. إن رحلة تشانغ تشيان لتحمل   مغزى بالغ الأهمية في تاريخ المواصلات بين الصين والغرب من جهة، وفي تاريخ العلاقات الصينية العربية من جهة أخرى.

هل هناك أعمال أدبية استلهمت طريق الحرير؟

كثيرة هي الأعمال الصادرة باللغات العالمية مما استلهم طريق الحرير، لأن هذا الدرب ليس جغرافيا وحسب، وإنما هو طريق فنون وتاريخ وآداب. في الأدب العربي أشير إلى رواية (قمر على سمرقند) للروائي محمد المنسي قنديل التي استلهمها من رحلته إلى أوزبكستان، وأشير إلى روايتي (حديقة خلفية) التي تستلهم - في جوانب منها - روح الهند إحدى أبرز البقاع على طريق الحرير.

ما هي أبرز المدن الخليجية التي مر بها طريق الحرير؟ هل الجزيرة العرب نصيب في موسوعتك؟

كنت أظن أن طريق الحرير يمر بعشرين أو ثلاثين مدينة، فإذا به يتخطى في عد المدن إلى أكثر من ١٦٠ مقصدًا لطريق الحرير، سواء كانت تلك المقاصد مدنًا سادت ثم بادت، أو بقاعًا غيرت أسماءها ولغاتها، وتعاقب عليها الملوك مثلما تبدلت بها الأديان. لذلك ستجد نقاط التماس، خاصة في شمال الجزيرة العربية، مع طرق الحرير.

كان العرب - حتى قبل ظهور الإسلام - وسيطًا تجاريًا مهمًا بين الشرق والغرب؛ حيث كانت التجارة القادمة من الشرق ( بخاصة الهند والصين) تمر ببلاد العرب عبر طريقين رئيسين؛ الأول يمر بعدن في جنوب غرب اليمن بالبحر الأحمر، حيث تأتي السفن. بعضها يواصل سيره في البحر الأحمر إلى ميناء القلزم (السويس) في مصر، ثم تفرغ حمولتها، وتنقل البضائع بالقوافل إلى الموانئ المصرية على البحر المتوسط، وبخاصة ميناء الإسكندرية، ثم تشحن في السفن بحرًا مرة أخرى إلى أوروبا، وبعضها الآخر يفرغ حمولته في عدن، ثم تحملها القوافل برًا عبر الساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية، المطل على البحر الأحمر، وتمر بمكة المكرمة، التي كانت مركزًا تجاريًا مهمًا، وبعضها يواصل سيره إلى ميناء غزة في فلسطين.

أما الطريق الآخر فكان يمر عبر الخليج العربي، حيث تواصل السفن سيرها وتفرغ حمولتها في أقصى شماله، بميناء الأيلة غربي البصرة (العراق)، ثم تنقل البضائع على القوافل برًا عابرة العراق إلى الشام؛ حيث تفرغ حمولتها في موانئ عكا وصور وصيدا وبيروت واللاذقية وأنطاكية، ثم تشحن بحرًا إلى أوروبا.

في العصر الأموي لم يعد العرب وسيطًا تجاريًا لنقل البضائع بين الشرق والغرب، وإنما أصبحوا سادة الموقف كله، بعد امتلاكهم الطرق التجارية البحرية والبرية من الصين إلى الأندلس.

فبالإضافة إلى ما سبق الحديث عنه بسط المسلمون سيادتهم على الطريق الذي يبدأ من شمال الصين، ثم يجتاز هضاب وسط آسيا وسهولها (بلاد ما وراء النهر) ثم يتفرع إلى عدة طرق، تنتهي كلها إلى موانئ البحر الأسود والبحر المتوسط، ويمر معظمها في الأراضي الإسلامية، ثم تنقل التجارة إلى أوروبا الشرقية والجنوبية، أمَّا أوروبا الغربية وشمال إفريقيا والأندلس، فكانت معظم تجارتها تأتي من الطريق الأول عبر الموانئ المصرية.

سيطر المسلمون على النشاط التجاري في تلك الرقعة الواسعة من الأرض وأصبحت بلادهم تصدِّر البضائع والمنتجات إلى بلاد الشرق والغرب. فتصدر إلى (الصين) المنسوجات الصوفية والقطنية والكتانية، والبُسُط، والمصنوعات المعدنية، وخام الحديد، وسبائك الذهب والفضة، كما كانت تستورد منها الحرير.

وقد ساعد على ازدهار تلك الحركة التجارية العالمية اهتمام الدول الإسلامية المتعاقبة على حكم تلك البلاد بإنشاء الطرق، وتعبيدها وتأمينها، فكانت القوافل تسير في طرق آمنة، تنتشر على جوانبها الفنادق والاستراحات والأسواق. 

كما كانت التجارة أعظم مصادر الثروة في العهد المملوكي؛ إذ قاموا بتشجيعها، وعقدوا الأحلاف والاتفاقات التجارية مع سلاجقة آسيا الصغرى، وإمبراطور القسطنطينية، وملوك إسبانيا، وأمراء نابلس، وجنوة، والبندقية وكاد المماليك أن يحتكروا تجارة الهند، وخاصة التوابل، بالاتفاق مع أمراء الموانئ الإيطالية.

هل هناك أجزاء أخرى للموسوعة؟ وما هي أبرز التفاصيل والمضامين التي تحتويها موسوعتك؟

الموسوعة جزء واحد كامل، وأردت أن تكون مرجعا شاملا تسهل قراءته. تقع الموسوعة المصورة في ٢٢٠ صفحة، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول للمدن التي وصل إليها طريق الحرير أو عبر بها، وفيها ٣٧٤ مدينة ومعلما. واختص القسم الثاني بالآداب والفنون التي اشتهرت في أرجائه. وقد جمعت بعضًا من أشهر المؤلفات التي صنفها رحالة على طريق الحرير، في الدين والأدب والجغرافيا والتاريخ. أما الفنون فلم تقتصر على الشائع منها، ولكنها شملت فنون الحياة اليومية بما فيها فنون الطعام.

وجعلت الجزء الأخير للممالك والأعلام التي عرفها طريق الحرير خلال نحو ١٦ قرنًا، وإذا كنتُ قد حاولت أن تكون الممالك حصرية، فقد كان من الصعب أن يكون الأعلام بالمثل، وإنما أحضرت من قد تكون أسماؤهم قد وردت في متون المدن أو شروح الفنون أو مسارد الآداب.

قامت التجارة في أغلبها على جلب الحرير من الصين، والتوابل والبخور من الهند. كانت هذه البضائع مطلوبة على نطاق واسع في أوروبا، وكان العرب يقومون بدور فعال ونشط في عملية التجارة هذه، وقامت حياة عرب الحجاز - مثالاً - وبصفة خاصة قريش، على التجارة.

قد يكون طريق الحرير مسلكًا فوق الرمال، وممرًا بين الجبال، ودربًا يقطع الفيافي، وجسرًا يعبر الأنهار وحياة كاملة فوق قافلة تمضي شهورًا من مكان إلى آخر، لكنه قبل ذلك كله صنيعة الإنسان.

في القرن الخامس الميلادي، عرفت شعوب الأرض، للمرة الأولى في تاريخها، مدينة يبلغ عدد سكانها المليون نسمة، تلك كانت تشانغآن في زمن لم يكن أحد يدري عن قرية لوتيتا شيئًا؛ وهي التي ستصبح لاحقًا عاصمة فرنسا؛ باريس، وفي زمن كان صيادو السمك قد بدأوا يتجمعون عند نهر التايمز فيما سيكون لندرة، وعصر كانت فيه موسكو تحت المعاول تنشأ، ولم يكن كريستوفر كولومبس قد تحرك نحو عالمه الجديد بعد.

لذلك كان طريق الحرير ابن هذه المدينة وأخواتها من المدن الزاهرة في عصرها والعصور اللاحقة، والتي واصلت تألقها حتى ظهر طريق الحرير البحري بعد الاكتشافات البحرية لخطوط الملاحة حول رأس الرجاء الصالح.

إن البضائع التي حملتها قوافل طريق الحرير منها فراء الثعالب والدببة القطبية، ومن مدربي القنص ستجد باعة الصقور المدربة على الصيد، ومن كل مكان ستأتي الأقمشة المرغوبة في كل سوق، مثلما ستباع البخور التي تتوق إليها المعابد البوذية. هنا سيباع العسل والشاي، والفضة والذهب، والدمى الخشبية والسهام المعدنية والدروع الحربية والسجاد والحلي، والأرز مع كافة الأطعمة المجففة. هنا سيباع كل شيء، قادم من كل مكان. وهنا سيباع الحرير. لكن مع التجارة جاءت ثقافات، والسنة ولهجات، وفنون وآداب، وهاجر أعلام، وتنقل رحالة، وهنا ظهرت أهمية طريق الحرير كشريان عبر نبضه عن حياة العالم.


صاحب موسوعة طريق الحرير أشرف أبو اليزيد: العرب كانوا وسيطا تجاريا مهماً بين الشرق والغرب
Ehsan Logo