الموروث الطبي للعرب والمسلمين في مكتبة الدكتور سامي إبراهيم حداد
د/ عبدالكريم إبراهيم السمك
قال العلامة الفرنسي «روجيه كراتيني» وهو واحد من أكبر موسوعيي العالم، في حديثه عن برمو مكانة الحضارة العلمية الإسلامية إن العالم الذي حمل العلم إلى أعلى قممه هو العالم تعربي. فالتراث الذي أبدعه علماء العرب والمسلمين يؤكد عبقرية هذه الأمة وعراقتها العلمية ويلحق به البروفيسور «محمد عبدالسلام» الباكستاني الحائز على جائزة نوبل للفيزياء». إن العلم العربي في ذلك الوقت كان هو العلم. ما من شك في أن العلم الغربي هو إرث يوناني نقول لهم اجعوا إلى ما تناولهم موروث الخوارزمي.
بيد أننا نسمع غالباً القول السائد أن العلم الإسلامي كان علماً مشتقاً، وأن العلماء المسلمين تبعوا العرف النظري اليوناني, وأنهم بالتالي لم يأتوا بشيء جديد إلى المنهج العلمي..
إن هذا الزعم خاطئ ومسيء، يكفي أن نقرأ البيروني لكي نتبين ذلك.
وكل هذا من أجل طمس الهوية العربية الإسلامية في تراثها العلمي من خلال ما قدمته للحضارة الإنسانية اليوم، والتي تعود في أصولها إلى الحضارة العربية الإسلامية».
المكتبات الخاصة ودورها في الحفاظ على التراث:
تأتي أهمية المكتبات الأهلية الخاصة في العديد من العطاءات المعرفية، ومساندة النهضة العلمية في مجتمعات وجود هذه المكتبات، وخاصة من هذه المكتبات، ما كانت في علم من العلوم وتوابعه، كمكتبة الدكتور حداد والخاصة بعلم الطب، والتي تختزن على رفوفها معظم كتب علم الطب، التي عرفتها الحضارة الإسلامية.
وقد أحسن صنعاً ابن أبي أصيبعة في كتابه «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، في سرد أكثر من مائة ترجمة لأطباء منهم المسلمون والسريان النصارى والموسويون اليهود الصابئة، وكل هؤلاء المترجم لهم من أبناء المجتمع الإسلامي وحضارته، فالجميع في صورة هذاالعطاء شركاء فيه، ومن هنا أراد الدكتور سامي إبراهيم حداد على نصرانيته أن يلتحق بعضوية هذه المدرسة، من خلال رسالته العلمية في محاضراته ومؤلفاته العلمية الكبيرة، في تقديم الصورة المثلى عن الطب في تاريخ الحضارة الإسلامية، كما ذهب في جمع كتب هذا التراث العلمي في مكتبته هذه وقد كلفه هذا الجمع إلى ملاحقة الكتاب حيث هو موجود، وذلك من خلال الحصول عليه ولو بالتصوير، كما يشهد بذلك سفره إلى لندن، وتصويره لأحد عشر مخطوطاً لجالينوس والزهري وابن النفيس.
الطب والأطباء في تاريخ الحضارة الإسلامية:
تعتبر المدرسة الاستشرافية الألمانية، من أحسن مدارس الاستشراق الغربية في إنصاف الحضارة الإسلامية في عطاءاتها العلمية، في سائر العلوم والفنون، ومنها ما يخص علوم الطب وما يلحق فيه من علوم أخرى, كالدواء والصيدلة والعلوم المساعدة، فهذا المستشرق الألماني «آيل هارد فيدمان» الذي قضى اثنين وخمسين سنة في التنقيب في الموروث الإسلامي، ليقدم للعالم المعاصر أكثر من مائتي دراسة علمية نشرت في مجلات علمية، أثبت فيها أن الكثير من الآراء والنظريات العلمية والاكتشافات المنسوبة إلى علماء أوروبيين, «إنما هي من إبداع وابتكار المسلمين - والعرب»، وقال العلامة الفرنسي «دريبي»: يجب علي أن أنعي على الخطة المحكمة المدبرة التي تحامل بها الأدب الأوروبي، ليخفي عن الأنظار مآثر المسلمين العلمية عنا، أما هذه المآثر سوف لا تظل كثيراً بعد الآن مخفية عن الأنظار، إن الجور المبني على الحقد الديني والغرور الوطني، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.
وهذا الدكتور رشدي يقول: بأن العلم عربي الأصل والمنشأ والتاريخ, وأن العلم اللاتيني علم عصر النهضة، اعتمد على ما سبقه من العلم العربي، وقد أبدع علماء المسلمين بشتى العلوم والمعارف، وخاصة منها علوم الطب وما يدور في فلكه، ويلحق بذلك علوم الفلك والرياضيات وغيرها من العلوم، وهنا تأتي مكتبة الدكتور سامي إبراهيم حداد الحاضنة لما يربو على مائة وخمسة وعشرون كتاباً من أمهات كتب الطب وما يلحق فيه ومن علوم طبية.
ومن رواد علم الطب في حضارتنا أبو القاسم الزهراوي المتوفى 1013م وابن سينا الشيخ الرئيس وصاحب القانون في الطب 1037 - 980م، وفي عصر هذين الطبيبين، كانت الكنيسة قد حرمت مزاولة مهنة الطب، ومنهم البابا اسكندر الثالث عشر، لإيمانه بقضية المعجزات القائمة على مسألة التمائم، وهو من أبناء القرن الثالث عشر للميلاد، وكذلك البابا هونوريوس، فقد أصدر عام 1243م، مرسوما حرم على الأديرة إدخال المباحث الطبية إلى أديرتها، ففي هذا التاريخ المتزامن مع سنوات عيش ابن أبي أصيبعة في عام 600ه/1203م. كان هذا الطبيب قد كتب كتابه الشهير «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، فشتان بين الحضارتين, حضارة الكنيسة التي حرمت كل العلوم، وبينحضارة الإسلام، والتي يشهد بسمو رفعتها ومكانتها، مآثرها موروثها العلمي في سائر العلوم والفنون، والذي تقتنيه معظم مكتبات العالم، ومنها مكتبة الدكتور سامي إبراهيم حداد، التي تحتوي على 125 كتاباً وجميعها في علم الطب، وهي تعتبر قاعدة مهنة الطب التي قدمتها الحضارة الإسلامية للحضارة الإنسانية.
ففي الحديث النبوي الشريف ومن باب الأخذ بالأسباب، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء.. إلا الهرم» أخرجه الترمذي والإمام أحمد في الأدب المفرد، وهذا ما دفع أبناء المسلمين إلى الاهتمام في علوم الطب ومايلحق فيه.
مكتبة الدكتور سامي إبراهيم حداد الطبية:
دخلت مكتبة الدكتور حداد في دائرة اهتمام كل من معهد التراث العلمي العربي في حلب.
والذي يتبع جامعتها، كما دخلت المكتبة كذلك في دائرة اهتمام المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت، والذي ذهب في تكليف الدكتور هانس هينرش بيترفيلد, في الحضور لبيروت لعمل فهرس لمكتبة الدكتور حداد، وقد تم ذلك مع الدكتور فريد سامي حداد، ابن صاحب المكتبة والذي امتهن مهنة الطب سعيا على خطى والده.
أما عن بيان مقتنيات المكتبة من خلال الفهرسة التي نشرت في كتاب قام بنشره معهد التراث العلمي العربي جامعة حلب، تحت عنوان «فهرس المخطوطات الطبية في مكتبة الدكتور سامي إبراهيم حداد» سنة الطبع 1404ه - 1984م.
وقد احتوى الكتاب على أربعة عشر لوحة ملونة، وتسعة عشر لوحة غير ملونة، وكلها في الطب وعلومه، وعدد صفحات الكتاب (223) صفحة باستثناء ورقات اللوحات الغير مرقمة.
فحسب بيان الفهرسة الذي تم إعداده فقد كان عدد محتويات المكتبة (350) عنوانا, وتم بيان موضوعاتها بشكل إجمالي ما عدا كتب الطب التي تم فهرستها، وبلغت في عددها مائة وخمسة وعشرون مخطوطا، وخمسة عشر مصحفا نادرا مخطوطا، وهناك مائة وثلاثة وعشرون مخطوطا في الأدب والتاريخ واللغة والفقه والسنة النبوية، وفي علم الفلك والرياضيات ثلاثة وثلاثون مخطوطا.
أما عن لغات هذه المخطوطات فقد كان منها قرابة ثلاثمائة في اللغة العربية، وهناك في اللغة السريانية قرابة خمس وعشرون، والباقي منها في لغات متنوعة كالتركية - العثمانية - والفارسية والأرمنية والعبرية، كما تحتوي المكتبة على كم كبير من الصور عن البيمارستانات في كل من القاهرة وفلسطين ودمشق وحلب، وكان قد صورها الدكتور حداد بنفسه من خلال رحلاته لهذه المدن، كما يوجد في المكتبة عدد من مخطوطات طبية مصورة عن أصولها في متحف لندن وباريس، حيث زار المدينتين وصور منها ثلاثة عشر مخطوطا، لا أصول لها إلافي هذين المتحفين.
الدكتور سامي إبراهيم حداد، المولد والنشأة « 1957 -1890م»:
في ولاية بيروت العثمانية كانت ولادة الدكتور سامي إبراهيم حداد، وفيها أدركته الوفاة، درس الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، ولعله تخصص في خارج لبنان بالجراحة العامة، وقد عمل في الجامعة الأمريكية طبيبا ومدرسا للطب فيها، ومن خلال عمله هذا أنشأ مستشفى خاصا فيه، حمل اسم «مستشفى الشرق في بيروت» وذلك سنة (1947م)، وكان مستشفاه مقصدا للمرضى وذلك لسمو مكانته الطبية وشيوع شهرته بين الناس، من خلال مكانة صاحبه مهنيا كطبيب جراح.
أما عن اهتمامه ودوافعه في إنشاء مكتبته التي تنسب إليه، فقد كان من أهل العلمية في الطب، فقد ترك أعمالا عديدة، منها ما كان على شكل محاضرات، ومنها ما كان كتابات علمية محكمة في الطب أو من خلال تراجم رجاله، وكان ينشر مقالاته في مجلة المقتطف المصرية، ومجلة الجمعية الطبية اللبنانية، ومجلة الشرق ومجلة قافلة الزيت، وقد بلغت مؤلفاته ومنشوراته بالعربية عشرون مادة علمية منشورة.
وفي غير اللغة العربية فقد تم له نشر ثلاثة عشر مادة في اللغة الانكليزية، وجميع هذه المنشورات جاءت في الكتاب في الملحقين (3-4).
قصة الدكتور حداد مع مكتبته:
اهتم الدكتور حداد إضافة إلى عمله كطبيب جراح في جامعة بيروت الأمريكية، بجمع الآثار والمخطوطات، فتجمع عنده الكثير من الآثار والمخطوطات قبل بنائه للمستشفى الخاص فيه سنة (1947م)، ولكنه صرف وجهه نحو الاهتمام بالمخطوطات الطبية، وذهب في العمل على جمع وشراء ما يقع تحت يدم وكان أول مخطوط وصله هدية من سعيد كردستاني سنة 1930م، وهو مخطوطة الحاوي للرازي، وهي تحمل الرقم (10) في فهرسة المكتبة، ثم اشترى أول مخطوطة «الدرة المنتخبة فيما صح من الأدوية المجربة» للقوصوني في 1930/9/15م، ورقمها في الفهرس (83)، وبعدها دخل في عالم شراء المخطوطات والبحث عنها، حيث تم له جمع أكثر من %95 شراء من بائعي المخطوطات في دمشق وإيران ولبنان ومصر، وجميع هذه المخطوطات كان الدكتور حداد قد أشار عليها بخط يده تاريخ شرائها ومن أين اشتراها، والتي كانت إهداء كذلك كتب عليها.
وما افتقده في الشراء قصد المخطوط حيث موجود, في متحف لندن وباريس فصور منها المفقود عنه، وأولها أقدم مخطوط طبي عربي والذي هو «الغاذي والمغتذي» لابن أبي الأشعب وتاريخ نسخه في الموصل يعود لسنة «348ه - 959م»، وغيره من المخطوطات باللغة العربية المنسوبة لجالينوس وابن النفيس والزهراوي.
صناعة كتاب المكتبة وفهرستها:
تم جمع البيانات العلمية للكتاب بشكل علمي منهجي، أشرف عليه كل من معهد التراث العلمي العربي في جامعة حلب، إضافة إلى المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت، وكان الدكتور سامي حداد قد فهرس مكتبته بطريقة تقليدية، لكن الدكتور فريد سامي حداد ذهب في فهرسة المكتبة بناء على اقتراح والده له بتطوير النظام العشري الذي وضعه ديوي، لكنه يختلف عنه لاحتوائه على الخانات الضرورية لمواضيع العلوم الإسلامية العربية، وبذلك يصبح لكل مخطوط رقم موضوعي، وانتهي الأمر عندهم في أن يكون لكل مخطوط أربعة أرقام، الأول لموضوعه والثاني تاريخ تأليفه والثالث تاريخ نسخه والرابع تاريخ دخوله الفهرسة في الكتاب.
وقد تم عرض جميع المخطوطات في الكتاب وفق نظام الفهرسة الذي تم لهم العمل فيه.
وقد اختتم الكتاب بفهرس لأحد عشر ملحقا، تم في هذه الملاحق التعريف بطريقة العمل في الكتاب إضافة إلى سيرة الدكتور سامي حداد في جمعه لمكتبته، وملحق أخير تم فيه بيان الصور المأخوذة من المخطوطات، وبيان كتابتها في رقم فهرسة الكتاب والصفحة التي ترجع لها الصورة.
وختاما فقد جاءت الدراسة هذه لبيان مكانة المكتبات الخاصة في ثرائها العلمي وخاصة إن كانت مكتبة متخصصة في ميدان علم الطبفي موروث الحضارة الإسلامية، من خلال الكتاب المرفق صورته، وطيب الله ذكر صاحب المكتبة على جهده الكريم هذا في تقديم هذهالصورة الكريمة عن مهنة الطب ونشأتها في تاريخ الحضارة الإسلامية، والشكر لابنه فريد الذى سار على خطى والده في الحفاظ علىهذه المكتبة النفيسة. والحمد لله رب العالمين.

