الخزانة الداودية.. مركز إشعاع ثقافي في تطوان
إعداد: محمد القاضي
محمد بن أحمد بن محمد داود ولد بمدينة تطوان (شمال المغرب) في 11 ذو الحجة 1318هـ الموافق الفاتح إبريل سنة 1901م، من أسرة عريقة في ارستقراطيتها تعود بأصولها إلى غرناطة بالأندلس، و كان الولد البكر فأوقفه والده على العلم حيث أخذ القسط الأول داخل الأسرة وعلى يد والده، ثم شيوخ تطوان قبل أن يرحل سنة 1920م إلى جامعة القرويين بفاس عاصمة العلم والأدب والدين، يمكث فيها سنتين فقط، ويعود إلى مسقط رأسه حيث أسندت إليه خطة العدالة، كما شرع في إعطاء الدروس للشباب موليا اهتمامه لمسألة العمل على نشر والثقافة المتفتحة بينهم واطلاعهم على أوضاع العالم المتطور آنذاك. وأضافه إلى اهتمامه بالكتابة في الصحف المغربية والمشرقية، حيث عمل مراسلا لجريدة الأهرام المصرية تحت اسم مستعار أيام حرب بريف ضد الاحتلال الإسباني بزعامة محمد عبد الكريم الخطابي.
وفي أواخر سنة 1924م أسس مع ثلاثة من رفقائه (المدرسة الأهلية) فكانت أول مدرسة عربية إسلامية وطنية حرة بشمال المغرب في عهد الحماية، فتولى إدارتها والتدريس بها لمدة 12 سنة.
وفي سنة 1928م أسس الشركة (المطبعة المهدية) وانتخب رئيسا لمجلس إدارتها، فكانت أول مطبع عربية وطنية كبرى ساهمت في نشر الثقافة حيث طبع فيها الوطنية والمؤلفات العربية في شمال المغرب.
وفي سنة 1932م أنشأ مجلة (السلام) فكانت أول مجلة عربية وطنية حرة مستقلة أيام الحماية الأجنبية على المغرب، وجعل لها شعارا (الإسلام، العروبة، المغرب) وقد مثلت طفرة جديدة في التجربة الثقافية المغربية، فكانت منبرا صادقا للتعبير عن رغبات الشعب المغربي، وفيها نشرت عدة عرائض واحتجاجات ومقالات وصور تبرز الوجه النضالي للمغاربة ضد الاستعمار.
تابع الأستاذ المرحوم بإذن الله محمد داود إصدار مجلته وحمل البريد نسخها إلى المدن المغربية والبلاد العربية لربط الصلة الوثيقة بينها وبين المشاهير من علماء وأدباء وزعماء الوطن الإسلامي عم إلى طبع أوراق خاصة تبعث إلى هؤلاء لعرض أفكارهم، وقد استجاب لرغبته عدد وفير منهم كالأمير شكيب أرسلان، ومحمد رشيد فرضا، محمد كرد علي، ومحب الدين الخطيب، وعباس محمود العقاد، وعبد العزيز الثعالبي، وحسن حسين عبد الوهاب، ومحمد بن الحسن الوزاني، ومحمد المختار السوسي، وأمين الريحاني، وعبد الوهاب عزام، وغيرهم.
تميزت (السلام) بأسلوبها في الكتابة والإخراج وفقا لما ابتكره صاحبها الأستاذ محمد داود الذي كان إلى مؤهلاته الأدبية في التعبير، وموهبته في التسيير والابتكار، مطلعا على التجارب بس صحيفة فيه الأقطار الأخرى.
لقد سعدت المجلة إلى تأسيس ثقافة مركزية تتميز باستمرارية تاريخها تشملها وجوه رمزية اضطلعت بمهام سياسية أو إدارية أو ثقافية مهمة، وتابعت صدورها رغم تعدد العراقيل التي كانت تعترضها، وصمدت في وجهها، واستطاعت أن تكمل سنتها الأولى بجهد جهيد (صدر منها عشرة أعداد)، ومع قصر عمرها فإن مجلة (السلام) كما يقول الأستاذ علال الفاسي: هي من أمهات مصادر الحركة المغربية رغم قصر زمنها.
وفي سنة 1956م وبعد الاستقلال مباشرة عينه جلالة الملك محمد الخامس عضوا رسميا في الوفد الحجازي الذي يمثل جلالته.
وفي عهد جلالة الملك الحسين الثاني تم تعيينه مديرا للخزانة الملكية بالرباط سنة 1969م، ولم يتخل عن هذه المهمة إلا فيه سنة 1974م وذلك لأسباب صحية جعلته يرجع إلى مسقط رأسه، حيث اشتغل بأبحاثه ومؤلفاته إلى أن وافته المنية يوم الإثنين 4 رمضان 1404هـ الموافق 4 يونيو 1984م رحمه الله.
خلف الأستاذ محمد داود مجموعة من الأبحاث والدراسات والمقالات المختلفة التي ما زال بعضها موزعا بين الصحف والمجلات أو محفوظا في مكتبته العامرة في حين أن بعضها الآخر قد طبع في مؤلفات سواء تعبان حياته أو بعد وفاته، ومن أهم مؤلفاته المطبوعة:
موسوعة (تاريخ تطوان) في 15 مجلدا، طبعت منها تسعه مجلدات.
مختصر تاريخ تطوان.
على رأس الاربعين (مذكرة محمد داود) طبعا منها الجزء الأول سنة 1421هـ/2001م.
الخزانة الداودية:
بناء على وصية المرحوم بإذن الله محمد داوود أن تكون مكتبته الخاصة حبسا (وقفا) على أسرته وأبنائه وأحفاده، فقد فتحت أبوابها سنة 1986م في وجه عموم الباحثين من أساتذة والطلبة وكتاب من المغرب و خارجه، وذلك للاطلاع على ما تكنز وهذه الخزانة من كتب ومخطوطات ونفائس ونوادر ووثائق ومجلات وجرائد وصور وبطاقات بريدية عالمية، تعتبر اليوم أهم مكتبة خاصة بمدينة تطوان شكلا ومضمونا، وتقع في حي (باب العقلة)، ويسهر على تسييرها كريمة المرحوم بإذن الله الأستاذة حسنا داود التي تقول:{إن الخزانة مؤسسة تضم الكثير من المصادر والمراجع والمستندات التي يستفيد منها المئات من الباحثين الذين يقصدونها من كل فوج وصب، علاقتي بهذه الخزانة قبل أن تكون علاقة إشراف وتنظيم وإدارة، فإنها علاقة محبة ووفاء وإخلاص يستلزم مني كثيرا من التضحية والاهتمام والتفاني، فالمسألة بالنسبة لي ليست مسألة كتب وصحف وأوراق، وإنما هي مسألة رصيد معنوي ثمين وتراث ثقافي نفيس، يتعين علي وعلى من سيتولى أمرها بعدي أن يعرف قيمتها وأن يحافظ عليها}.
وعقب الندوة التي نظمها اتحاد كتاب المغرب بالتعاون مع المجلس البلدي بمدينة تطوان في أواخر شهر نوفمبر سنة 1989م في موضوع :محمد داود (الحركة الوطنية في الشمال المسألة الثقافية) أصدر الحاضرون والمشاركون نداء لحماية وصيانة خزانة الأستاذ محمد داود ومما جاء فيه : المشاركين في الندوة وبعد زيارتهم لمكتبة الفقيد واطلاعهم على الجهد الخاص الذي بذلته عائلة الأستاذ محمد داود في الحفاظ على هذه الثروة الغزيرة، إذ يحيون هذا الجهد ويؤكدون أن ما خلفه الأستاذ هو رصيد ثقافي و وسائقي وطني يستحق اهتمام الرأي العام الثقافي الوطني بأكمله لذلك فإنهم يوجهون نداء للجهات المسؤولة:
للعمل على طبع كل مؤلفات الأستاذ داود وجعلها في متناول القارئ المغربي والعربي.
لرصد الإمكانيات المادية والبشرية الكفيلة بحفظ الخزانة الداودية حفظا يقي محتواها من التلف والاندثار ويحولها إلى مركز إشعاع وبحث علمي يليق بالطموحات النبيلة التي نذر الفقيد حياته لتحقيقها خدمة للثقافة الوطنية.
تحتوي الخزانة على (12 ألف كتاب) وتضم أربعة أقسام:
قسم الكتب: المطبوعة باللغة العربية والإسبانية والفرنسية والإنجليزية
قسم المخطوطات: ويضم 761 عنوانا بين مجاميع وكتب مفردة وتعالج جميع أصناف المعرفة من أدب، وفقه، وسيرة، وتاريخ، وفن، ومن بينها مجموعة وفيء فرصة وأخرى غير مفهرسة، ومن أهم ما ينفرد به القسم (المصحف الغرناطي الذي يشتمل على الجزء 49 بين القرآن الكريم ويعود إلى القرن الثامن الهجري) وكذا الكناش الأصلي بصنائع الآلات الأندلسية المعروفة بكناش الحايك.
قسم الوثائق: وثائق تاريخية (حائر ورسائل سلطانية وزيرية وقرارات وغيرها) وعددها 1579 وثيقة ويرجع تاريخ أقدم وثيقة وصلية بالمجموعة إلى سنة 1116هـ الموافق 1704م وهي مصنفة كالتالي:
وثائق حرب تطوان.
وثائق سلطانية.
وثائق خليفيه.
وثائق عن العلاقات المغربية الخارجية.
وثائق النائب السلطاني الحاج محمد العربي الطريس.
وثائق السفير الحاج عبد الكريم بريشة.
وثائق بيت المال بالمنطقة الخليفيه (الشمالية).
وثائق ملفات الحرس الخليفي بتطوان.
وثائق الولي الصالح عبد السلام بن ريسون.
وثائق أخرى نفيسة.
وثائق عدلية: رسوم البيع والشراء والعقود والهبات والوصايا والتركات وغيرها وأعدادها 1800 وثيقة، ويرجع تاريخ أقدم موسيقى إلى سنة 994هـ الموافق 1586م.
ملفات المستندات: وتضم مختلف المستندات والأوراق المتعلقة بالهيئات أو المؤسسات والجمعيات السياسية والتاريخية والاجتماعية والثقافية التي شارك فيها الأستاذ محمد داود، أو عرفها في تطوان أو في عموم المغرب أو غيرها من الأقطار العربية الأخرى.
قسم الصحافة: ويحتوي على كمية هائلة من الجرائد والمجلات المغربية والعربية والأجنبية، تتميز بغزارة مادتها وكثرة تنوعها وطرافة مصادرها، وهي كما يلي:
50,000 صحيفة مكونة من مجموعات الجرائد (247 مجموعة) والمجلات (282 مجموعة عربية و18 مجموعة أجنبية)، نماذج الجرائد (729 عنوانا) والمجلات (707 عنوان العربية والأجنبية) إضافة إلى قسم خاص بالصور الشخصية والتاريخية والوطنية والملفات الخاصة على وعلى بطاقات بريدية عالمية (14,627 صورة).

