تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

قصيدة تصبو لتذوق الأشياء عبر الحواس لطيفة قاري بين ديواني: " ذقتها" و" تكابد لبلابها"

قصيدة تصبو لتذوق الأشياء عبر الحواس لطيفة قاري بين ديواني: " ذقتها" و" تكابد لبلابها"

عبدالله السمطي


تبدو مفاتيح التجربة الشعرية لدى لطيفة قاري في أساسها الأصيل مركوزة على جملة من العناصر البلاغية والأسلوبية التي تتراصفُ مؤثثة عملها بشكل نوعي. إن الشاعرة تركز على إضاءة إيقاعاتها وتخطو بشكل رهيف إلى ابتكار هذه الإيقاعات لتصبح هاجسًا جماليًّا من هواجس إبداع القصيدة والدخول إلى مكامنها وحرائقها – إذا جاز الكلام – 

الشاعرة تنتقل من كلمة إلى كلمة بوعي شعري رهيف تحترقُ فيه الكلمات في أتون السياقات لتتوالد في طزاجة الحس الشعري الذي لا يتخلى عن وزنه وموسيقاه ومشارفة إيقاعاته المتنوعة. 

وقد أصدرت الشاعرة أربعة دواوين هي: ( لؤلؤة المساء الصعب، هديل العشب والمطر، تكابد لبلابها الأسماء، وذقتها ). 

إن " ذقتها" هي قصيدة/ ديوان ، قصيدة مطولة، العنوان بكلمة واحدة ، بفعل ماض مسند إلى تاء الفاعل وإلى هاء الغياب:" ذقتُها" للإشارة إلى مجهول يحتاج إلى تأويله بعد قراءة هذا النص الطويل الواقع بين صفحتي (5-135) 

إن حضور الأنا وكمونها في الفعل تشيرُ إلى أن الذات الشاعرة هي التي ذاقت، والفعل هنا ليس فعلا ماضيا على إطلاقه، فتزمين الشعر غير تزمين النثر، فهو ليس إخباريا تماما بل هو يختصر الأزمنة الأخرى، ذقتها : تتضمن الحاضر والماضي والمستقبل معا، لأن فعل :" ذاق" ما يزال مستمرا، ومازالت الشاعرة تبتكر تذوقها وتشارفه.

تتجلى في ديوان :" ذقتها" للطيفة قاري جملة من الأبعاد التي تتخلق عبر التأمل في السيرة الدلالية للنص الطويل، والتنقل ما بين مشهد ومشهد، وما بين مقطع ومقطع آخر، فالأداء الشعري هنا يتسم بالسلاسة والهارمونية والتناسق، فيما يتصف بالتدافع العباري صوب ابتكارات المعاني الجديدة، خاصة أن النصوص الطويلة دائما ما تقودنا إلى استدعاء السؤال السردي:" ثم ماذا؟ " فهو سؤال يطالعنا حين نقرأ النصوص المطولة التي تظل في حالة تدافع للأمام من أجل ابتكارات رؤى متسلسلة متجاورة معا، ومن أجل استقصاء المعاني والدلالات التي تزجيها الشاعرة في بدايات النص. 

حوار شعري:

تستهلُّ الشاعرة لطيفة قاري قصيدتها الطويلة الواقعة بين صفحتي ( 5-135) التي يشملها كتاب واحد بعنوان:" ذقتُها" ، تستهل بهذا المشهد:

نقرّرُ أن يسكنَ الطيرُ حضنَ الجبالْ

نقررُ أن نتزاوجَ في الصيف

مثل الفراشات

ثم نقررُ أن نتحاور مثل الرفاق الكسالى

إذا انسكبَ الليلُ فوق الأرائكِ

ثم نغمّسُ أطرافنا في النعاسِ

وننسى قراراتنا في الصباح الموسَّدِ

في شرفات البيوتِ التي غادرتنا عصافيرها

لتنام على مقعد الدرس . / ص 5 


يقلنا الفعل المضارع :" نقررُ" أول النص إلى أن ثمة رؤية ثنائية أو جماعية تحرك الدلالات الأولية للنص، وعند مشارفة القراءة تبدى لنا أن ثمة رؤية ثنائية بين الأنا والآخر تسري عبر مختلف مدارات النص من بدئه حتى نهايته. 

إن ثمة حوارًا شعريًّا ضمنيًّا يتواترُ حيالنا ما بين الأنا الشاعرة والآخر، هو حوار وجداني شفيف، يتصاعدُ ما بين مقطع وآخر حتى يلامس ظواهر الطبيعة والعناصر الأربعة للكون في صيغتها الفلسفية، فيما يلامس فضاءات متكثرة حسب السياقات التي توغل فيها القصيدة. 

نقررُ : فاعلية مشاركة بين طرفين، وإن جاء القرار ، على اليقين، بصوت الشاعرة، ثمة اتفاق ما على مشارفة وعي الكلمات وتتبع ظواهر العلاقة بين الطرفين، وهي علاقة تتكشف ما بين سطر وآخر، وبين مشهد ومشهد. 


تكابدُ لبلابها:

 إن الشعرية تتدرجُ دائما عبر عدة مستويات أسلوبية وتركيبية، وهي لا تُقدم هكذا فجأة أمام القارئ في النص، إنها تتقدم بشكل موارب، ذلك لأنها لا ترتكز على وعي مباشر، وإنما تتكئ على جملة من الأدوات التي تجعل القراءة الفعالة تبحث عما وراء الكلمات لا عما يتحرك حيالنا من ألفاظ ومعان. ولهذا فإن التوغل في قراءة النص يتطلب عدم الانسياق مباشرة وراء المعاني الأولى التي نستشفها، أو الانسياق وراء السياقات التي يقدمها النص الشعري لنا، بل علينا أن نكون أكثر حذرا في قراءتنا، فكلمة واحدة قادرة على أن تغير المجرى الدلالي للنص

قصيدة تصبو لتذوق الأشياء عبر الحواس لطيفة قاري بين ديواني: " ذقتها" و" تكابد لبلابها"
Ehsan Logo