المرأة العربية والتراث الشعبي.. المرأة في السيرة الهلالية شاعرة وفارسة شجاعة ومضحية من أجل القبيلة
حجاج سلامة
عرفت المرآة منذ القدم، بكونها حاملة التراث الشفاهي والحافظة للحضارة قبل ظهور التدوين، فهي تنقل كل ما تحمله من موروث حضاري، وتراث شفهي أو مادي لأبنائها، فيما يسمي حديثا بالتنشئة الاجتماعية، فتنقل لأبنائها ما تحمله من معارف ومعتقدات وثقافة مادية وروحية، وهو ما اصطلح على تسميته بالتراث غير المادي.
وقد حفل تراثنا الثقافي غير المادي على موروث متنوع يوضح مكانة المرأة واحترام الجماعة الشعبية لطبيعتها الأنثوية ووضعها في مكانة تليق بها داخل المجتمع ولم يسعي ابداً لإخفائها أو التقليل من دورها.
وألقت دراسة مصرية حديثة للدكتورة الشيماء الصعيدي، مدير عام أطلس المأثورات الشعبية المصرية، الضوء على دور المرأة العربية في السيرة الشفهية – السيرة الهلالية أنموذجا - دون السيرة المؤرخة التي اهتمت فقد بالأحداث السياسية الكبري واغلفت الجوانب الاجتماعية إلا أنها ابت إلا إن تَظهر بين ثنايا السطور.
بين السيرة التاريخية والسيرة الشفهية
وبحسب الدراسة – التي حصلت مجلة "أحوال المعرفة" علي نسخة منها – فقد كشفت السيرة عن جانب اجتماعي مهم ، يعني بالنصف الآخر من المجتمع، وكيف كانت مكانتها في ظل هذا المجتمع البدوي الخشن، كما أكدت على أنه بالرغم من الاختلاف الواضح بين السيرة الشفاهية والتاريخية ، إلا أننا نستطيع القول إنَّ كلا منهما تكمل الأخرى ، فالسيرة المؤرخة تحمل الطابع السياسي ، وتحمل قيم المجتمع كالوفاء للزوجة ، ولكننا سنهتم في هذا الجزء بوضع المرأة العربية كما صورته السيرة الهلالية المنقولة شفاهية والذي صمتت عن المصادر التاريخية، وذلك في محاولة أولية في وضع تصور متكامل بين السيرة التاريخية والسيرة الشفهية .
وأوضحت الدراسة كيف تمتعت المرأة بمكانة مميزة في السيرة الهلالية الشفهية، التي تدور حول قصة امرأة تدعي خضرا الشريفة تلك السيدة التي تزوجت من فارس الهلالية الأمير رزق.
وقد عرفت الجازية – بحسب نصوص السيرة - برجاحة عقلها ، وقد ورثت الجازية عن جدتها شما مكانتها السياسية فلها وحدها ثلث المشورة في مجلس الشورى السياسي ، ولا يتخذ قرار بالمجلس إلا بموافقة الجازية ، تلك الفتاة الجميلة التي تظهر دائما وقت الشدائد ، وحيثما يعجز القوم عن إيجاد حلول ، تأتي هي برجاحة عقلها وقوة شخصيتها ، فتقوم بدور البطولة بشكل موازي لبطولة أبو زيد الهلالي بطل الهلالية المتصف بالقوة والشجاعة ، إلا أن الجازية تمثل دوراً آخراً للبطولة الناعمة ، فهي دائما تقوم بدور المنقذ والمدافع عن الحق ، فضلاً عما تملكه الجازية من جمال ، لم يستطع الراوي الاسترسال في وصفه ، بل اقتصر علي وصف تأثير هذا الجمال علي من يراها ، كل هذا يدل علي تكريم الجماعة الشعبية لدور المرأة ، والثقة في عقلها وآرائها ، وهو ما دعمه الإسلام وحض عليه ولنا في السيرة النبوية خير مثال ، بالإضافة إلي أن هذا الدور يمس المتلقي ، فدور الجازية هو نفس ما تقوم به المرأة من خلال أسرتها الصغيرة لذا وجد هذا هوي من المتلقي ، فاسترسل الراوي في إبرازه.
الإنتماء للقبيلة
وتقول الدكتورة الشيماء الصعيدي، في دراستها، أنه ومن خلال السيرة بوجه عام، ودور الجازية بوجه خاص، يتضح مدي سيطرة عاطفة الانتماء للقبيلة ، فالجازية بالرغم من شخصيتها القوية تضحي مرارا من أجل قبيلتها ، فنجدها تتزوج من شريف مكة ذي السبعة عيوب ، وسط ذهول الجميع حتي أخيها السلطان سرحان ، وهي المرأة الجميلة ، وتوافق علي ذلك من أجل قبيلتها ، وما أن تتزوج منه وتنجب أطفال ، نراها تضحي مرة الأخرى من اجل قبيلتها ، فتترك بيتها وزوجها وأبناءها وحياة الدعة ، وتختار بدلا منها الشقاء وحياة الترحال ، فتهاجر مع قبيلتها مرة أخري إلي مصر، وهناك تتزوج من ماضي بن مقرب لتحافظ علي أمان قبيلتها وتشغله عنهم حتي يرحلوا .
ويظهر الدور الأكبر للجازية، حيث تعمل على تنفيذ وصية أبي زيد الهلالي، فتقوم بجمع أطفال الأبطال الذين قتلهم دياب بن غانم، أطلق عليهم (الأيتام) وتهتم بتربيتهم حتى إذ ما شبوا أخذوا بثأر آبائهم، ولكنها تصر على أخذ ثأر أخيها بنفسها، وتقتل علي يد دياب في نهاية المطاف " يقتل دياب أبي زيد والجازية واستبد بالبلاد وحده ".
بذلك تلعب الجازية في السيرة دور المضحية دائما من أجل القبيلة، بالرغم مما تتمتع به من ذكاء وجمال، كما يبرز دور الجازية في تحميس الرجال من أجل النهوض والحرب، وكانت تلك العادة موجودة في الجاهلية، وصاحب الحكم الإسلامي، حيث اعتاد العرب علي اصطحاب النساء معهم في الحروب، لتشجيعهم وحثهم على عدم التقهقر أو الفرار.
مفهوم البطولة في السيرة الشعبية
وطبقا لرواية الأحداث فان حصول الجازية في السيرة على ثلث المشورة بالإرث، هو إثبات لدور المرأة ومكانتها العظمي في ذلك المجتمع القبلي، فتملك المرأة في ذلك المجتمع العربي لثلث المشورة في مقابل أخيها السلطان حسن، الذي يملك ولا يحكم إلا بمقتضي مجلس شورى للجازية وحدها فيه ثلث مشورته، كما أن ظهور الجازية بكونها صاحبة الكلمة الفاصلة حينما يختلف القوم، ويوضع رأيها موضع التنفيذ، يدل علي الثقة الكاملة في عقلية تلك المرأة، والخوف من افتراق كلمة القوم بدونها.
السيرة وبحسب الدكتور الشيماء الصعيدي، تبرز كيف أن الجازية انبرت في قول الشعر الذي يحث فيه النساء على الاستعداد للقتال بدلا ًمن الرجال، وكيف امتطت فرس دياب لحث البنات على ركوب خيل الفرسان ليخرجوا هم لقتال الزناتي وجنوده.
وهكذا وبحسب دراسة الدكتورة الشيماء الصعيدي، يختلف الدور الذي تلعبه المرأة في السيرة الهلالية، بين أدني الدرجات وأعلاها حتى تتساوي مع البطل، وعندها نقول "المرأة البطل"، ولا نقول "المرأة البطلة" لأن البطولة في السير الشعبية لها مفهوم واحد وإن اختلفت درجاته، سواء كانت البطولة تتعلق برجل أم بامرأة، فالبطولة في السير الشعبية هي البطولة القتالية أو بطولة النزال، وهي على أقل تقدير تكون بالمشاركة الفعالة في الأعمال القتالية.

