في كتاب:" رحلتي إلى مكة " لجول كورتيلمون وثيقة وجدانية شفافة تدل على تفاعل إيجابي من مثقف غربي تجاه الحضارة الإسلامية
عرض: عبدالله السمطي
اكتسب كتاب:" رحلتي إلى مكة" لجول كورتيلمون خصوصية تميزه عن بقية نصوص الرحالة الأجانب الذين كتبوا عن الجزيرة العربية، كون كاتبه فنانا تصويريا سعى إلى الارتقاء بالصور المكتوبة إلى مستوى الصور التي تلتقطها الكاميرا.
وجول جرفيه كروتيلمون ( 1863- 1931), مصور فوتوغرافي فرنسي كان مقيماً في الجزائر في أواخر القرن الـ19، وكان واحداً من الفرنسيين الذين هاموا بالمشرق، وأحبوا حياته الرومانسية العبقة بصدق المشاعر وأصالة الأخلاق والقيم الإنسانية، جذب انتباهه قيام القنصل الفرنسي ليون روش في عام 1891، برحلة حج من الجزائر إلى مكة المكرمة، فقرر في عام 1894 القيام برحلة مماثلة على خطاه، ليختبر بنفسه هذه التجربة الروحية الفريدة، وسافر بجواز سفر يحمل اسم : عبدالله بن البشير
جاء الكتاب بعنوان:" رحلتي إلى مكة في عام 1894) وقد قام الدكتور أحمد أبيش بترجمته إلى العربية ، وصدر عن دار الكتب الوطنية (أبو ظبي) والعنوان الأصلي للكتاب :
Mon voyage La Mecque
يقع الكتاب في 180 صفحة ويتضمن في البدء تعريفا بالكتاب والرحلة، التي جاءت ضمن رحلات قام بها المؤلف بعد ذلك إلى اليونان وتركيا والصين والهند والجزائر وفلسطين ومصر وسوريا .
يروي كورتيلمون في الكتاب وقائع رحلته إلى مكة لأداء الحج، والخطوات التي قام بها في سبيل ذلك، والعمل على تمثل طبيعة الأجواء في أفق آخر قوامه التحلي بالتقاليد والعادات التي يهبها المكان، فضلا على تمثل شعائر الحج التي يتنقل حجاج بيت الله الحرام من مكان إلى مكان ومن أداء شعيرة دينية إلى شعيرة أخرى حتى تكتمل شعائر الحج، ويروي كذلك رحلته إلى المدينة المنورة للصلاة في المسجد النبوي. ويصف إعجابه بالإسلام وفضائله، فقام بإعلان إسلامه ومارس شعائر الصلاة والصيام والحج، وتفاعل مع أصدقائه من الجزائريين ومن أهل مكة المكرمة والمدينة المنورة ، ويشكل الكتاب وثيقة وجدانية شفافة تدل على تفاعل إيجابي حميم من مثقف غربي تجاه الحضارة الإسلامية.
يقول عن زيارته لمكة المكرمة:" لقد رغبتُ بكشف سرّ هذه المدينة المقدسة ليس لإتمام رحلة كبقية الرحلات، وإنما الدافع هو أن أكمل أبحاثي حول الشرق المعاصر، هذا الشرق المسلم الذي أخذت على عاتقي أمر وصفه مجتازًا إياه بكل الاتجاهات، لقد أمضيتُ شبابي فيه وأنا أحبه كما يحبه كل من عرفه" .
وعن حبه للإسلام وأهله يقول :" أما بالنسبة لي فأنا أحب الشرق بسمائه الزرقاء، وأحب الإسلام ببساطته، وأعجب بمعتقداته الراسخة"
انطلق جول في رحلته في العام 1894 وكان له من العمر 31 عاما وأعلن إسلامه ومارس شعائر الصلاة والصيام والحج بكل تقى، وتفاعل مع أصدقائه من الجزائريين ومن أهل الحجاز بكل مودة، وإن كان خشي من الإقرار بإسلامه في كتابه الذي نشر بفرنسا عام 1896 فادعى أنه يحب الشرق ويحب الإسلام ببساطته ومعتقداته الراسخة، لكن مع ذلك يبقى الكتاب وثيقة وجدانية شفافة تدل على تفاعل إيجابي حميم من مثقف غربي تجاه حضارتنا الإسلامية، وقد تضمن الكتاب (33) صورة بالإضافة إلى صورة بانورامية لمكة المكرمة مطوية بداخل الكتاب، وقد جاءت عناوين فصول الكتاب كالتالي:" بدء الرحلة، العودة إلى الجزائر، من الجزائر إلى جدة، من جدة إلى مكة، الإقامة في مكة، الرحيل عن مكة، العودة إلى جدة، الرحيل عن جدة، من جدة إلى ينبع، ينبع البحر، السويس، العودة إلى فرنسا"
وقد عاد كورتيلمون للمنطقة مرة أخرى خلال زيارته لتركيا وسوريا وعايش إنشاء سكة حديد دمشق – المدينة المنورة، وفي أوائل سبتمبر 1910 حضر حفل تدشين خط السكة الحديدية، بالمدينة المنورة وقد قام بالتقاط صور كثيرة منها صور للمسجد النبوي الشريف ، وهي من أقدم الصور الملونة لهذا المسجد وتوجد هذه الوثيقة التاريخية في متحف روبير لينين السينمائي في باريس، وقد كان مصورا بارعا وثق أحداثا كثيرة للحرب العالمية الأولى ، وكان صهرا للناشر شارل لالمان وصديقا للكاتب والرحالة الفرنسي الشهير بيير لوتي والمصور الفوتوغرافي إيميل فريشون.
و تشكل كتب الرحلات التي قام بها عدد كبير من المستشرقين الغربيين، وكذلك الرحلات إلى مكة بوجه عام منجما معرفيا وثقافيا واسعا احتشدت فيه جملة من الرؤى الإنسانية من مشارق الأرض ومغاربها حفلت بالوصف والتصوير والسرد والرؤى الأدبية والوجدانية لمكة المكرمة والمدينة المنورة وما تمثلانه من مكانة لدى المسلمين في أنحاء العالم.
إن هذه الرحلات لم تنقطع منذ أقدم العصور حتى ظهور الإسلام الحنيف، حيث استمرت منذ حضارة الإغريق ثم عصر الرومان ثم في القرون الوسطى والعصور الاستعمارية، وبدءا من القرن السادس عشر تضاعف عدد الرحالة الأوروبيين الذين قصدوا المشرق إما للتجارة أو المغامرة أو الاستطلاع، ونالت الجزيرة العربية مهبط الوحي ومهاد لغة القرآن الكريم، ومكان مكة المكرمة والمدينة المنورة اهتماما كبيرا من رحالي الغرب، وجاء هذا الكتاب ليشكل صورة رائعة من

