أسماء الدسوقي.. تشكيلية مصرية مسكونة بالعوالم القديمة .. لوحات مستوحاة من " مدن الأرواح ".. وألوان ذات فلسفة خاصة
حجاج سلامة
الدكتورة اسماء الدسوقي.. أكاديمية وفنانة تشكيلية مصرية، مسكونة بالعوالم القديمة، يفوح من لوحاتها عبق الماضي، وتذهب بجمهورها بعيدا في رحلة لاستكشاف جمال الروح الإنسانية، باستخدام ألوان ذات فلسفة خاصة، وعبر زوايا ورؤىً جعل لأعمالها عالما خاصا.
تبوح مفردات وألوان لوحات اسماء الدسوقي، بكل اسرارها وانبهارها بآثار وفنون الفراعنة والميثولوجيا في مصر القديمة.. وبعشقها لما تطلق عليه "مدن الأرواح" من مقابر الموتى وسط دروب وأحياء القاهرة، وبين جنبات جبانة طيبة القديمة في البر الغربي لمدينة الأقصر، حيث ترقد اجساد قدماء المصريين من ملوك وملكات ونبلاء ونبيلات الفراعنة في مئات المقابر التي نُحتت في صخور الجبال وحُفرت بباطن الأرض قبل آلاف السنين.
بوح في رحاب معابد الفراعنة
وفي مقابلة جرت على هامش مشاركتها بأحد الملتقيات الفنية وسط المعالم الفرعونية لمدينة الأقصر الغنية بمعابد ومقابر ملوك وملكات ونبلاء مصر القديمة، كانت اسماء الدسوقي على موعد للبوح بالكثير مما يختلج روحها، وعن رؤيتها لعالم الروح وعوالم مصر القديمة، وكيف تأثرت بتلك العوالم في أعمالها الفنية المختلفة.
وروت لنا اسماء الدسوقي، أنها تهتم في لوحاتها بإبراز الجمال الداخلي للإنسان، فترسم الروح دون النظر إلى الجمال الخارجي، حتى حين ترسم المرأة ترسمها كروح وتعمل على إظهار جمالها الداخلي، وهو جمال الروح.
وأضافت بأنها حين تستخدم الألوان فإنها تستخدمها استخداما مغايرا يجعل للألوان في لوحاتها فلسفة خاصة، فهناك ألوان تعبر عن الروح وأخرى تعبر عن الحياة والموت، وتجعل لكل لوحة فلسفتها الخاصة التي تحتمل الكثير من التأويل.
وتشير " الدسوقي " إلى أنها منذ أن اختارت ممارسة الفن طريقا لها، وهي في رحلة للبحث عن ماهية الروح، والسعي الدائم لتصوير لحظة انتقال الروح من حياة زائلة إلى الحياة في العالم الآخر حيث البقاء بلا زوال.
ترى أن معرضها الذي حمل عنوان " المعدية " حمل الكثير من تلك المعاني والمفردات التي تتناولها في لوحاتها، وربما يجمل شكل العلاقة بينها وبين عالم الأرواح.
مكان سكن الروح
وتكشف لنا عن أنها ذهبت لمرات ومرات إلى المقابر في ضواحي العاصمة المصرية القاهرة، وعاشت لساعات وساعات وسط عالم الأموات، ووسط هؤلاء الأحياء من البشر الذين يعيشون بجوار الأموات وفى محيط المقابر.
كما جذبتها جبانة طيبة القديمة في الأقصر، جنوبي مصر، حيث زارت تلك المقابر التي شيدها قدماء المصريين في حضن جبل القرنة التاريخي، وفي وادي الملوك حث يرقد الفرعون الذهبي توت عنخ آمون، والعشرات من حكام مصر القديمة.
وأنها حين تذهب لمقابر القاهرة، ومقابر قدماء المصريين في الأقصر، فإنها تكون هناك لتعيش حالة خاصة تجعلها تمارس بشغف كبير رسم " مكان سكن الروح ".
وروت لنا اسماء الدسوقي، كيف باتت متعلقة بمقابر ومعابد قدماء المصريين في الأقصر، وكيف صارت عاشقة لتلك المدينة الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ.
فهي حين تتجه صوب الأقصر، تشعر بحنين للماضي، وتعيش حالة شغف بالعودة إلى الجذور.. حيث بزع فجر ضمير العالم، وانبثقت جذور الفن التشكيلي بكل مدارسه.
وحين تستقبل المركب أو " المعدية " لتتجه من شرق الأقصر حيث مدينة الحياة، لتزور البر الغربي، الذي كان يعرف قديما باسم مدينة الأموات، تشعر أنها في الطريق لزيارة " مدينة الروح " وحين تنتقل من مقبرة إلى أخرى، بين المقابر التي شيدها ودفن بها قدماء المصريين فيما يعرف قديما باسم جبانة طيبة، تحس بأنها انتقلت بروحها إلى الزمن القديم.
وتقول " الدسوقي " أن معرضها الذي حمل اسم " المعدية " استوحت لوحاته من عوالم مصر القديمة، ومن المراكب الملكية التي كان يعتقد قدماء المصريين أنها تحمل روح المتوفى من الحياة الفانية، إلى العالم الآخر.
وأنها حين تزور معابد الفراعنة في الأقصر، تقف أمام اعمدتها وصروحها في حالة دهشة تدوم طويلان فبين تلك الأعمدة والصروح ظهرت اول ارهاصات للفن التشكيلي الذي مارسه قدماء المصريين باقتدار قبيل آلاف السنين.
اسماء الدسوقي، المسحورة بالماضي، مهمومة ايضا بأحوال الفن وحالة الفنان التشكيلي العربي، الذي قالت بأنه يعيش حالة من المعاناة، بعد أن اتجه الجمهور لشراء أعمال فنية مقتبسة من الغرب، انشغل البعض بتقليدها استجابة لمطالب السوق الذي بات مقبلا على كل ما هو غربي متأثرا بـ " عقدة الخواجة "، وذلك على الرغم من أن الفن الاصيل هو ذلك الفن الذي يستوحيه الفنان العربي من بيئته الثرية بمفرداتها ومعالم تراثها وطبيعتها الساحرة التي عرفت كل بلدان الشرق.
وهو ذلك السحر الذي جعل من الشرق ومن بلدان عالمنا العربي قبلة لعشرات المستشرقين والفنانين الين وفدوا من الغرب قبيل قرون وقرون لاستكشاف سحر الشرق وعبقه وتاريخه وطبيعته وصحرائه وأوديته وخيوله، فسَحَرَهُم بجماله وبمفرداته من بشر وطبيعة وتراث.
يذكر أن الفنانة التشكيلية المصرية أسماء الدسوقي، هي أكاديمية تمارس تدريس الفنون الجميلة في القاهرة، وقد حصلت على درجة الماجستير فى فن الجرافيك عن رسالتها العلمية التي كانت بعنوان "النبات كعنصر تشكيلي فى فن الجرافيك المصري"، كما حصلت على درجة الدكتوراة فى فلسفة الفن عن رسالتها العلمية التي جاءت بعنوان "البعد الدرامي وأثره على المنظر الطبيعي للطبعة الفنية فى القرن العشرين - دراسة مقارنة - أوروبا – مصر".
وقد شاركت خلال مسيرتها الفنية في العديد من المعارض والملتقيات التشكيلية داخل مصر والعالم العربي، بجانب بلدان أوروبية وأسيوية.
كما اقامت عددا من المعارض الخاصة لأعمالها، ونالت جوائز متعددة، وهي عضو بنقابة الفنانين التشكيليين بمصر، وعضو بالجمعية المصرية للفنون التشكيلية.

