الجغرافي الحسن الوزاني الزياني وكتابه وصف افريقيا
بقلم: د/ عبد الكريم إبراهيم السمك
اهتم علماء المسلمين بعلم الجغرافيا بكل أصنافه وفنونه الوصفية الخرائطية والمكانية والتاريخية ،فهو من العلوم التي أهدتها أمة الإسلام للبشرية ضمن موروثها الحضاري المتنوع ،كان هذا في زمن تفوق المسلمين علميا يوم أن حققوا قصب السبق في علم الجغرافيا والطب والحساب والفلك وغيرها من العلوم التي أخذتها أوروبا ونهضت بها ثم عندما ضعف المسلمون أصبحوا عالة على غيرهم يعملون على رد بضاعتهم وشتان بين حالتين حالة العطاء وحالة الأخذ والاستجداء ،وقد شهد المستشرقون بتفوق المسلمين في علم الجغرافيا، وأرادت جامعة الإمام محمد بن سعود أن تذكرنا بماضينا العلمي في علم الجغرافيا عندما عقدت عام 1399هـ، (1979 م) مؤتمراً دولياً في مدينة الرياض وبمشاركة أكثر من مائة وخمسين عالماً من داخل المملكة وخارجها ،وكان من نتائج هذا المؤتمر، العمل النفيس كتاب «وصف أفريقيا»، لمؤلفه الحسن بن الوزان الزياني الأفريقي أو جان ليون الأفريقي كما كان يتسمى ،وقد ترجم الكتاب الذي يقع في 6075 صفحة، من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية لأول مرة ليجد مكانه في على رفوف المكتبة الجغرافية الإسلامية.
مترجم الكتاب
أما مترجم الكتاب فهو الدكتور عبد الرحمن حميدة من كبار علماء الجغرافية تتلمذ على كبار أهل هذا العلم في السوربون، ومنها حصل على الدكتوراه له أكثر من خمس وعشرين مؤلفاً في الجغرافية وأكثر من عشرة كتب مترجمة في هذا العلم تتلمذ على يديه آلاف الطلاب في جامعة دمشق وعمل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قسم الجغرافية مدة أربع سنوات ولد في حلب سنة 1922م ولقي وجه ربه مهاجراً في الولايات المتحدة فترجمة كتاب وصف أفريقيا جهد علمي مشكور للعالم الراحل رحمه الله ولا يملك ترجمة مثل هذا العمل إلا من امتلك ناصية وأصول علم الجغرافية، وقد راجع الكتاب الدكتور علي عبد الواحد وافي وهو أستاذ قدير لا يقل شأناً عن الدكتور حميدة لكنه من علماء علم الاجتماع وهو مصري رحمه الله ولد سنة 1901– 1991م.
من هو مؤلف كتاب وصف أفريقيا؟
الحسن بن الوزان الزياني الأفريقي أو جان ليون الأفريقي ولد في غرناطة وذلك سنة 894هـ، 1988م وعلى واقع سقوط الأندلس على يعد القشتاليين وخروج المسلمين منها عام سنة 498هـ، 1492م ، هاجر الوزان مع أبيه وأسرته من الأندلس إلى المغرب وعاش في المغرب حياته العملية والعلمية ،و شهد وعاش وعاصر حدثين عظيمين في التاريخ الإسلامي الأول كما تمت الإشارة له وهو سقوط الأندلس والثاني هو العصر العثماني وهو الأهم وتبعية الدول العربية للحكم العثماني وذلك بعد حروب السلطان سليم الأول ضد الصفويين والقضاء عليهم وقضاؤه بعد ذلك على دولة المماليك في معركة مرج دابق سنة 1517م وفتح مصر والقضاء على طومانباي هذا الواقع السياسي كان الوزان قد عاشه وشهده والذي يبدو أن وجوده في القاهرة كان قبل سقوط حكم المماليك في مصر حسب ما أشار هو إلى ذلك في كتابه وسنة 1517م هي السنة التي تم اختطافه فيها ونقله إلى روما وهو في طريق العودة من حجه في جزيرة جربة التونسية.
الوزان من النصرانية إلى الإسلام
تتبع مترجم الكتاب الدكتور عبدالرحمن حميدة ترجمة وقصة الوزان وأشار إلى أنه كان غائباً عن الساحة العلمية العربية في اسمه وأول ذكر له جاء في مجلة المقتطف المصرية ضمن بحث الجغرافيا وجغرافيي الإسلام في دراسة عنه كتبها سليم ميخائيل شحادة الغزيري، وفي المجمع العلمي الشرقي في آذار 1883م وفي العقد السادس من القرن العشرين بدأت الكتابات عنه تتوالى من المؤرخين والجغرافيين العرب لكن الغربيين كانوا أسبق من العرب في الاهتمام به عندما أبحر الوزان من الإسكندرية قاصداً بلده المغرب وفي جزيرة جربة التونسية تم اختطافه من قبل قراصنة صقلية فنقلوه إلى نابولي الأيطالية ومنها إلى روما وقدموه هدية لبابا روما ، وعندما أدرك البابا ما في الحسن الوزان من الخصال العلمية والذكاء والفطنة حمله على اعتناق النصرانية على يد ثلاثة أساقفة في قصر سانتانج الذي أقام فيه إقامة جبرية سنة كاملة وقد تم تعميد الوزان على يد البابا نفسه في كنيسة القديس بطرس في روما بتاريخ 1520/1/6م وسمى باسم جيوهانس ليود ومديسيس أما الوزان فقد اتخذ لنفسه اسم جان ليون غراناتينو وهو يعني في العربية يوحنا الأسد الأفريقي وقد عرف فيما بعد ليون الأفريقي وهو الاسم الذي اطلقه عليه راموزيو.
ومن خلال إقامته في إيطاليا التي تجاوزت العشر سنوات كان صاحب نشاط ثقافي وعلمي وذلك من خلال عطائه العلمي وذلك قبل هروبه من إيطاليا وفي سنة 1524م ولذلك صدر كتاب وصف أفريقيا باللغة الإيطالية وتحتفظ مكتبة الأسكوريال،بالنسخة الأصلية من الكتاب فهو بمثابة وثيقة جغرافية نادرة لدى الإيطاليين، ومن أثمن المصادر، وكان قد تم عتقه ما بين سنتي 1530 – 1538م، حيث وصل إلى تونس، وقد عاد لتونس وعمره خمسين عاما، وفي تونس عاد عاد إلى دينه الإسلامي، بعد اعتناقه للنصرانية تحت الضغط والإكراه، وكانت سنة وفاته (957هـ - 1552م)، في عهد آخر ملوك بني حفص، وقد بلغ من العمر قرابة الستين عاما أو تزيد بسنة أو سنتين.
الحسن الوزان في رواية لأمين معلوف
الأديب والروائي أمين معلوف، من الكتاب اللبنانيين الكبار في عالم الرواية، ومعظم رواياته في أصولها تقوم على الأصول التاريخية، وهي في شكلها العام أشبه برواية تاريخية، وقد تجاوزت الثلاثة عشر رواية، وواحدة من هذه الروايات كانت رواية « ليو الأفريقي»، ومما يمتاز به هذا الأديب إنصافه للتاريخ الإسلامي، على الرغم من نصرانيته، وقد صاغ الكاتب معلوف روايته بلغة أدبية رائعة موضوعية، قدم فيها صورة الحسن الوزان، كصورة عكست في عطائها ذلك التراث العلمي، الذي قدمته الحضارة الإسلامية في بناء الحضارة الإنسانية، والذي كان قد تمثل في صورة الأدب الجغرافي الذي كان يفتقر له الغرب المسيحي أو الأوربي، ولمكانة الرواية في لغتها وبنيويتها، وما أفضت إليه من حمل تلك الصورة الجميلة للأمة العربية، التي ينتمي لها الكاتب أمين معلوف، فقد نال التكريم من جائزة الصداقة الفرنسية – العربية، بعد نشره لروايته الرائعة (ليو الأفريقي)، وذلك سنة 1988م، وبعدها أصدر رواية سمرقند التي لا تقل شأنا عن سابقتها وقبلها روايته (الحروب الصليبية) كما رآها العرب.
ورواية ليون الأفريقي تظهر لنا مكانة صاحبها وسمو قدره العلمي في الغرب الأوربي، فقد عرف مؤلفها كيف يقدم هذا الإهداء الجميل للمجتمع الغربي في روايته في لغتها الفرنسية، لتكون صورة جميلة عن ماضي العرب في التاريخ الإنساني.
الحسن الوزان وعطاؤه العلمي
لم يكن الإسم الذي عرف به في دوائر العلوم العربية، والذي هو (الحسن بن محمد الوزان الزياني)، هو نفسه الذي يعرف به في دوائر الغرب العلمية، فاسمه في مصنفاته التي كتبها في الغرب هو (يوحنا الأسد الغرناطي) معربا بهذا الإسم عليه هناك وهو Africanus أو Iohannes Leo Eliberitanus أي يوحنا ليون (الأسد) الأيبيري أو الإفريقي، وبعد سقوط الأندلس انتقل مراكش، واستوطن مدينة فاس، والتي أخذ منها نسبته الفاسي، ومنذ 1511م صحب عمه في رحلة دبلوماسية ساقته إلى تمبكتو عن طريق درعة، نال حظا من التعليم وعمل في الدواوين وقام بأعباء سفارات في جنوب مراكش لأسرة بني وطاس الحاكمة بفاس، وإليه يرجع في كتابة وصفه الدقيق المفصل لمدينة فاس، كما قام بأعمال مماثلة لدى الشريف محمد، من خلال نشاطه الدبلوماسي زار الكثير من مناطق أفريقيا الوسطى والشمالية، وقصد الحج، وكانت رحلته هذه قد فتحت الأبواب أمامه، في التعرف على البلاد التي زارها وتعرف على عادات سكانها، وقد أشار إلى أنه زار إيران والشام وأرمينيا، وفي سنة 923 – 1517م زار مصر وبلاد العرب، إذا ما علمنا أن السنة هذه كانت مصر وغيرها من الدول العربية قد غدت تحت الحكم العثماني في عهد السلطان سليم، كما وصل إلى استانبول وزارها.
كان الوزان صاحب إلمام باللغة الاسبانية، التي هي لغته الأم، وقد جاء علمه بها ليكون له مساعدا في البيئة الجديدة عليه بعد إقامته في إيطاليا، وقد أصبح يجيد اللغة الإيطالية واللاتينية بصورة جيدة، وفي سنة (930 هـ - 1524 م) ألف معجما (عربيا – عبريا – لاتينيا) من أجل طبيب يهودي، مخطوطته محفوظة بمكتبة الأسكوريال، وفي العاشر من مارس 1526م أتم الترجمة الايطالية لكتابه الذي وضعه بالعربية والذي هو (وصف أفريقيا)، وفي سنة 1527 م ألف باللاتينية كتابا جامعا في سير ثلاثين من مشاهير العرب في الفلسفة والطب Libellas de viris quibusdan illustribus apud Arabes نشره هوتينغر Hottinger عام 1664م، وكان أول سفر من نوعه يقدم معلومات ذات أهمية لأوربا في تطور العلوم عند العرب، وبعد الانتهاء من هذا العمل استطاع الإفلات من إقامته في إيطالية وعاد إلى تونس.
وقيل فيما بعد بأن مخطوطته عن وصف أفريقيا في الأصل العربي، كان موجودا لدى المؤلف عندما وقع في الأسر، وقيل فيما بعد بأن مخطوطته قد وجدت طريقها إلى أحد محبي الكتب (bibliophile) وهو V.Pinelli ولكنها فقدت في الطريق إلى نابلي ،و(ماسينيون) المستشرق الفرنسي بوجه عام لا يعتقد بوجود مخطوطة عربية للكتاب، ويعتبر ذلك محض خطأ، وقيل بأن ليون كان قد دون مذكراته وملاحظاته باللغة الإيطالية مباشرة، ولعل هذا أقرب للصحة، وذلك بسبب كون المؤلف أشار إلى مؤلفة الذي كتبه باللغة الإيطالية والذي هو «وصف أفريقيا» بأنه قد كتبه من ذاكرته وذلك سنة 1526م، ومع ذلك فإن وصفه يتميز بالدقة الشديدة، ولعل اطلاع المؤلف على مؤلفات غير عربية، وبسبب معرفته بعدد من اللغات الأوربية، قد أفادته.
كتاب وصف أفريقيا
في سنة 1550م، ظهر كتاب في إيطاليا وكان ذا قيمة علمية عالية، وذلك عندما عمد عالم إيطالي ذا ثقافة علمية عالية، يدعى «جان باتيست راموزيو»، إلى نشر عدة كتب من كتب الرحلات باللغة الايطالية لم يسبق نشرها تحت عنوان «في الملاحة والرحلات» وكان أكثر الكتب قيمة وأهمية كتاب «وصف أفريقيا» لمؤلفه «جان ليون»، الملقب بالأفريقي.
ومن إيطاليا شاع في أوروبا، ونال القبول في الشارع العلمي، والكتاب فيما حمله في إسمه من عطاء إخباري ووصفي عن أفريقيا والبلدان التي زارها، وهو بهذا مصدر من مصادر التاريخ الاجتماعي الأفريقي، ويشكر مترجم الكتاب على العناية التي بذلها رحمه الله، في الشروح والتعريف والتفسير، لمعظم الكتاب، بعد أن غاب عن المكتبة العربية، وكانت أحوج ما تحتاج إليه، كمصدر من مصادر الجغرافية المعنية بدول أفريقيا وخاصة منها الشمال الأفريقي والخاصة بدول الشمال العربي من مصر حتى المغرب وموريتانيا، وما هو جنوب الصحراء الكبرى، وقد تم ترجمته للعربية من اللغة الفرنسية، وكان في الأصل قد تم نشره باللغة الإيطالية.
وقد قام الكتاب على تسعة أقسام وكل قسم من أجزاء الكتاب معني بدولة أو مملكة، وقد جاءت على الشكل التالي:
القسم الأول: وجاء معنيا بالقارة الأفريقية، وحمل العنوان التالي منشأ اسم إفريقيا وتكلم في المادة عن حدود أفريقيا وأقسامها، وقد كانت أربعة أقسام:
بلاد البربر في الشرق من جبل معيز.
نيوميديا، والعرب يدعونه بلاد الجريد، وهي البلاد التي ينمو فيها النخيل. وتبدأ نيوميديا من شرق الواحات، وهي مدينة على بعد 100 ميل من مصر وتمتد شمالا حتى جبال الأطلس فكل هذه الأصقاع تنتج التمر.
ليبيا في اللاتينية، وهي تتاخم ليبيا من الشمال وتتاخم من الجنوب السودان. أي بلاد السودان. وكل قسم ينقسم إلى أقسام.
ويتناول الوزان في كتابه شرح الكلمات – البربر – الأفارقة البيض من العرب والسود من غير العرب، وأصل الأفارقة.
القسم الثاني: مملكة مراكش.
القسم الثالث: مملكة فاس.
القسم الرابع: مملكة تلمسان.
القسم الخامس: مملكة بجاية وتونس.
القسم السادس: نوميديا.
القسم السابع: بلاد السودان.
القسم الثامن: مصر.
القسم التاسع: أكثر الأنهار والنباتات والحيوانات شهرة في أفريقيا.
وينتهي المؤلف بعد هذه الأقسام للكتاب إلى القول: ذاك ما رأيته أنا «حناليون» من حسن .
وجدير بالتذكار، أنني جبت كل أفريقيا من طرف لآخر، وقد سجلت بعناية، يوما فيوما كل الأشياء التي بدت لي جديرة بالذكر ثم الوضع الذي رأيتها عليه، أما التي لم أرها بنفسي فقد استقيت معلومات موثوقة وكاملة عنها من أشخاص جديرين بالثقة. ومن ثم رتبت هذه المذكرات قدر استطاعتي، وقد عملت منها أخيرا مادة مصنف عندما كنت في رومية. في العام 1526 من الميلاد في 10 آذار مارس.
لم يسلم من النقد كتاب وصف أفريقيا الذي كتبه حسن الوزان يمثل مادة علمية وجغرافية ثرية ،وقد كتب ماسينيون سنة 1906م مادة علمية بعنوان «مراكش في السنوات الأولى من القرن السادس عشر»، كما وصفها ليون الأفريقي، وقال المستشرق الفرنسي شيفير Schefer بأن كتاب «وصف أفريقيا»، «فيما احتواه من تفاصيل في وصف المغرب العربي يتميز بالدقة الشديدة بل لقد أثبتت البحوث الأخيرة صدق قوله حتى في تلك المواضع التي أثارت بعض الشك فيها».
ومع كل هذا الثناء عليه، لم يسلم الوزان من النقد فقد ذكر المستشرق الإيطالي «أماري» أن ما أملاه ليون الأفريقي، تم جمعه بعد عودته لأفريقيا، ويتفق شيفر مع غيره بأن ليون الأفريقي ليس كل ما وصفه كان قد شاهده، لكن ومع ذلك فيجب القول بأنه آخر الجغرافيين العرب المشهورين في تلك البلاد، وكان بهذا كتاب وصف أفريقيا آخر الأعمال الكبيرة في الجغرافية التي عرفها المؤلفون من الجغرافيين العرب.

