أكثر من رؤية .. أعمق من صمت عبدالمحسن الحقيل يحدد قسمات الآخر في الشعر السعودي
الأنا والآخر وجهان لعملة واحدة، أو هما وجهان لصورة واحدة، ولكي يستطيع أحد تحديد ملامح ذاته لابد له من تحديد ملامح الآخر بالنسبة له، وهذا الآخر/ المختلف تتحدد ملامحه وفق العرق أو الدين أو حتى البلد، ومن خلال هذا التحديد تتضح صورة الآخر جلية.
هكذا يتأمل الدكتور عبدالمحسن الحقيل في أحدث كتبه النقدية التي تتناول أثر الآخر، أو توظيف صورة الآخر في الشعر السعودي، وجاء عنوان الكتاب كالتالي:" أكثر من رؤية .. أعمق من صمت: الآخر في الشعر السعودي - 1351-1434هـ ).
فخلال أكثر من 80 عاما يحدد الدكتور الحقيل مجال عمل الشعر السعودي في قراءة الآخر، وتمثله، وقد جاء الكتاب الصادر عن مركز الأدب العربي للنشر والتوزيع في طبعته الأولى 1442هـ / 2021م ( 348 صفحة) متضمنا بابين هما : أبعاد حضور الآخر، أنماط استدعاء الآخر، وتحت هذين العنوانين ناقش المؤلف عبر فصول الكتاب ومباحثه مجموعة من القضايا والأسئلة تتناول: البعد الإنساني، والاجتماعي والعاطفي والحضاري، والفني من جهة الصورة الشعرية، واستدعاء المكان، واستدعاء الأشخاص، والجماعات والأساطير ، والتوظيف الفني .
استحضار الإبداع:
يرى الحقيل أن الحديث عن الآخر واستحضاره في الإبداع لم يكونا غائبين في تراثنا الأدبي، ففي الشعر الجاهلي توثيق لصلة العرب بأقوام عدة كالفرس والروم والهنود والأحباش، وتفاوتت صور الآخر حضورًا وغيابًا حسب علاقاتها مع العربي ودرجة احتكاكها به، وفي كل العصور الأدبية امتزج العرب بالأمم الأخرى امتزاجا أثر على الشعر في اتجاهاته الموضوعية وتشكيله الفني، وأمده بأفكاره وأثراه بمضامينه.
والشعر السعودي – فيما يؤكد الحقيل- حلقة في سلسلة الشعر العربي المعاصر، موصول بتراث أمته قديما وحديثا، فكان لهذه الظاهرة حضورها فيه إذ استدعى الشعراء السعوديون الآخر في صور شتى وطرائق مختلفة.
صورة الآخر:
يبين الدكتور الحقيل أن الآخر يحضر في تصوير الشاعر السعودي ، ويستغل الصورة غالبا لخدمة الفكرة المهيمنة على النص، ويوظف الشاعر السعودي تقنيات منها: التشبيه أو المفارقة أو الرمز، لتخدم منجزه الشعري، ويناقش البحث في الباب الثاني وعبر أربعة فصول : أنماط استدعاء الآخر وذلك من أجل تحديد كيفية استخدام الشاعر السعودي نمطا معينا وتوظيفه في قصيدته.
وقد اعتمد الشاعر في كتابه، وهو بالأصل بحث للدكتوراه، على ( 240) مصدرًا ومرجعًا، تشكّل المتكأ البحثي النقدي الذي استند عليه في تنوير ظاهرة الآخر في الشعر السعودي، مركّزًا على المضامين الشعرية التي بثها عدد كبير من الشعراء السعوديين سواء من ينتمون إلى التيار الكلاسيكي والرومانسي والوجداني، أو من ينتمون لتيار الحداثة الشعرية، ومنهم: محمد الفهد العيسى، وسعد البواردي، وعبدالله بن إدريس، ومحمد السنوسي، ومحمد حسن فقي، وغازي القصيبي، وحمد العسعوس، وصالح الزهراني، وأحمد الصالح، وسعد الحميدين، وحسن القرشي، وعلي الدميني، وعبدالله الصيخان، وجاسم الصحيح، وفاطمة القرني، وهند المطيري، وإبراهيم الوافي وآخرون.
لقد سعى هذا الكتاب للكشف عن ملامح التعبير عن الآخر، وإثبات اهتمام الشاعر السعودي بالآخر ومشاركته أحزانه والتفاعل مع طموحاته وأهدافه وتعزيز انتصاراته.
كما رصد إحساس الشاعر السعودي بحضارة الآخر وبمنجزاته العلمية والأدبية والفنية من جهة والتعبير عن بعض سلوكياته وأخلاقياته من جهة ثانية. وقدم المؤلف عبر ذلك مجموعة من القراءات التحليلية التي تتسق وعنوان الكتاب في مجموعة كبيرة من القصائد والدواوين الصادرة خلال الحيز الزمني الذي يقوم بقراءته خلال مراحل الشعر السعودي عبر مختلف العقود، راصدا للرؤى والتعبيرات والجماليات الشعرية المتنوعة.

