المدينة والريف في قصيدة المواكب
ﺑﻘﻠﻢ: علي بن ﺳﻌﺪ ﺍﻟﻘﺤﻄﺎﻧﻲ
الخير في الناس مصنوع إذا جبروا
والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا
وأكثر الناس آلات تحركها
أصابع الدهر يوماً ثم تنكسر
فلا تقولن هذا عالم علم
ولا تقولن ذاك السيد الوقر
فأفضل الناس قطعان يسير بها
صوت الرعاة ومن لم يمش يندثر
ليس في الغابات راع لا ولا وفيها القطيع
فالشتا يمشي ولكن لا يجاريه الربيع
خلق الناس عبيد للذي يأبا الخضوع
فإذا ما هب يوماً سائراً سار الجميع
أعطني الناي وغن فالغنا يرعى العقول
وأنيني الناي أبقى من مجيد وذليل
الوثيقة
كانت هذه القصيدة «المواكب» التي أصدرها جبران خليل جبران عام 1919م وعلى حسابه الخاص وجاءت أنيقة مزدانة بمجموعة من اللوحات الفنية كانت بمثابة ثورة حقيقية في عالمه الشعري وجاءت كوثيقة من الوثائق المهمة التي صب فيها أفكاره ورؤاه الفلسفية في القضايا الإنسانية كالخير والشر والدين والحق والعدل والقصيدة كما يقول دنزار بريك هنيدي في بحث مطول ضمن منشورات اتحاد كتاب العرب في تناوله للقصيدة:«هي القصيدة الطويلة الوحيدة التي نظمها جبران خليل جبران «1883-1931» على بحور الشعر التقليدية ونشرها في كتاب مستقل وقد قال جبران عنها في رسالة كتبها إلى إميل زيدان «أما المواكب كقصيدة فحلم رأيته في الغابة ولما رمت إبرازه وجدتني كحفّار يحاول صنع تمثال من ضباب البحر ماذا يا ترى يفعل الشاعر بأحلامه وليس لديه ما يبنيها سوى الألفاظ والأوزان وهي سلاسل وقيود, والقصيدة تتألف من مائتين وثلاثة أبيات وهي مبنية على نظام المقاطع متعددة الأبحر تبدأ بمقطع من البحر البسيط يليه مقطع مؤلف من أربعة أبيات من مجزوء الرمل ثم مقطع يتألف من بيتين من مجزوء الرمل أيضا ولكن بقافية ذات رؤى مختلف عن قافية المقطع الذي يسبقه ثم تتوالى المقاطع بالترتيب نفسه حتى تنتهي في مقطع من البحر البسيط الذي بدأت به ، ولا شك- والكلام للدكتور نزار بريك هنيدي-بأن هذا التعاقب بين المقاطع هو الذي أوحى بفكرة وجود حوار بين صوتين داخل القصيدة عند أصحاب القراءات المتعددة التي حظيت بها المواكب منذ صدورها فالشاعر نسيب عريضة يعتبر المقاطع المكتوبة على وزن البسيط صوت شيخ حكيم ,بينما مقاطع مجزوء الرمل صوت شاب حالم وما القصيدة سوى حوار بينهما» ويخلص الدكتور نزار بريك هنيدي إلى القول: «وإذا كان أفلاطون قد دعا إلى إنشاء الجمهورية الفاضلة وتوماس مور قد تخيل إقامة المدينة الفاضلة فإن جبران يدعو إلى ما يمكن أن نسميه عالم الغاب الجميل».
الطبيعة عند جبران خليل جبران
ألقت الكاتبة البروفسور ليليان بوتشيانتي بركات محاضرة عن «جبران خليل جبران والطبيعة ,مقاربة مبنية على الجغرافيا الإدراكية» وهي مسجلة كتابية في موقع NOW LEBANON وتساءلت البروفسور في مقدمة محاضرتها قائلة: «كيف استطاع صبيّ ولد في 1883م من عائلة مسيحية مارونية متواضعة في قرية جبلية في شمال لبنان أن يصبح كتابا ومفكرا وشاعرا ورساما لبنانيا موهوبا ترجمت كتاباته في أنحاء العالم كافة ونالت رسومه إعجاب النقاد في أهم العواصم».
وترى البروفسور ليليان بصفتها عالمة بالجغرافيا أن «لبنان ألهب على مر العصور مخيلة الشعراء والأدباء وكان محط الأطماع وقبلة الفزاة وجنة المستشرقين ،ولد جبران في بشري وهو بلدة جبلية تقع على ارتفاع 1500م على كتف منحدرين خصبين ووعرين في أن معا ,تفصل البلدة التي يصفها الأديب الفرنسي ألفونس دو لامارتين في كتابه «رحلة إلى الشرق Voyage en Orient1833-1832» بضع كيلومترات فقط من غابة الأرز وهي - بحسب لامارتين-أشهر المعالم الطبيعية في الكون وعن ذكريات جبران مع هذا الوادي الحالم يقول:يتخذ الوادي شكل مبخرة استبدل بخورها بالضباب والقرى المتناثرة على جوانبها على شكل مسبحة و «بشري» الحبة الوسطية منها ،في هذه المنطقة حيث تزخر الطبيعة المدهشة بالرموز الدينية والروحانية,ترعرع جبران,مكتشفا الثروات الطبيعية والبشرية في محيطه الذي شكل مرتعا مميزا للتعلم واللعب له ولأخيه وأخواته وتقول المحاضرة ليليان يوتشيانين: «لن تنسى أذناه هدير الشلال وخرير السبيل وأنشودة الناي العذبة كما تقول الأغنية:
أعطني الناي وغني , فالغناء سر الخلود
وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود
وهناك أمضى جبران طفولة سعيدة»
وتخلص المحاضرة ليليان في ورقتها إلى القول: «عاش جبران معظم حياته بين ناطحات سحاب نيويورك وهو يحلم بالناي ووادي قاديشا وأرز لبنان..هكذا الحنين إلى لبنان والشعور العميق بالعودة إلى الطبيعة ليس سوى مرآة عميقة تعكس الرغبة في العودة إلى الذات، كما رأينا شكل جمال الطبيعة المحيطة بقريته «بشري» مصدر إلهام غذى خياله وتصوفه».
التشاؤم
التشاؤم متأصل في المبدعين منذ القدم كشوبنهاور وأبي العلاء المعري ونازك الملائكة وأبي القاسم الشابي ومنهم أيضا جبران وهذا التشاؤم يقود الشاعر للتمرد على الواقعية ويرفض المدنية الزائفة ويحاول الهروب إلى الطبيعة ليرتمي في أحضانها فجبران استهل قصيدته برؤيته التشاؤمية تجاه الحضارة الإنسانية وجعلها بمثابة «جرس» يلفت بها انتباه المتلقين:
الخير في الناس مصنوع إذا جبروا
والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا
وأكثر الناس آلات تحركها
أصابع الدهر يوما ثم تنكسر
وللبيتين نظائر عند شعراء آخرين كأبي القاسم الشابي الذي يؤكد غربته وكابته في هذا العالم الحزين وينشد في قصيدة «الكابة المجهولة»:
أنا كثيب
أنا غريب
كابتي خالفت نظائرها
غريبة في عالم الحزن
كآبتي فكرة
مفردة مجهولة من مسامع الوطن
ويتكرر هذا التشاؤم عند نازك الملائكة وتعتقد أن الحياة كلها أسرار وعبث وقيود في مطولتها:
عبثا تحلمين شاعرتي ما من صباح لليل هذا الوجود
عبثا تسالين لن يكشف السر
ولن تنعمي لفك القيود
وتتوشح «أنشودة المطر» لبدر شاكر السياب بالخوف والأرق والأسى
والموت والظلام:
أتعلمين أي حزن يبعث المطر
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع أكاد أسمع النخيل يشرب المطر
وأسمعُ القرى تئنّ ،والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع
عواصف الخليج والرعود, منشدين
مطر... مطر... مطر
وهذه الرؤية التشاؤمية لجبران في مطلع قصيدته «الخير في الناس..» هي التي دعته للفظ المدينة بحضاراتها الزائلة ومصانعها وآلاتها الحديثة التي دمرت البيئة وأحرقت الحياة.. وقادته للهروب نحو الطبيعة الحالمة «الغابة المتخيلة» في ذهنية جبران خليل جبران فهذه «الغابة المتخيلة تبدو لنا كصورة انعكاسية لما عاشه جبران خليل جبران أيام لهوه وصباه في غابة الأرز في قريته «بشري» بلبنان , فالغابة عند الشاعر تبدو لنا كغابات مزدانة بالخيال والأساطير والجمال يحلّ فيها الشتاء والربيع ,ليس فيها حزن ولا هموم ,في هذه الغابات سعادة أبدية يسقون فيها كأسا من إكسير الغمام، في «الغابة المتخيلة» عند جبران خليل جبران ليس فيها موت لا ولا فيها القبور ودائما تتوالى عليها أشهر نيسان «إبريل» فالربيع يسكنها حقباً وأزماناً ودهوراً «لعلها صورة اقتبسها جبران من القرآن الكريم في وصف الجنة».
صورة المدينة
وتبدو صورة المدينة مشوّهة عند شاعرنا جبران شأنه في ذلك كشعراء الوجدانيين الذين دائما ما تشعالق نصوصهم الإبداعية بالطبيعة يضيقون ذرعا من أسوار المدينة ويتبرمون من واقعهم بكل ملذاته وشهواته وملهياته وينشدون الحلم على ضفاف الطبيعة وبساطها الجميل التي لم تلوثها رياح التغيير وأدران الحضارة وزيف العصر بكل مستحدثاته ومستجداته ودائما ما يتجدد هذا الحلم في كثير من قصائدهم ولهذه القصيدة «المواكب» التي غنت بعض مقاطعها «فيروز» نظائر في الشعر العربي الحديث منها قصيدة «من أجل عينيك» للشاعر المحروم عبد الله الفيصل وصدحت بها «كوكب الشرق» وفيها يحلم الشاعر بمغادرة العالم والسكنى في أحضان الطبيعة والارتشاف مع الحبيبة كؤوسا من الهوى:
ليتنا يا حب نحيا فيه ساعة.
نوقظ الزورق أو نزجي شراعة
ونناجي ضفتيه في ضراعة
تسهد القلب ولا تشفي التياعة
أضاع الشاعر المحروم عمره في هوى المحبوبة وراح يتلمس مقاربتها على أمل التداني ويمضي الزمن بساعاته وثوان وتتوارى طيف أحلامه الجميل على طلائع خريف عمره,وتتهاوى مياه أعينه السخية في آثارهم ويغدو الدمع كالجمر على الخد يسيل ، وتصبح حياته شكوى, ذهول ,شقاء, ظلال يبست أغصانها ,ويظل يعصف قلبه جبران يعدونه رائدا في ا من أجل ذاك السر الذي لا يستطيع أن يبوح به وللشعراء خبايا وأسرار.
غالب شوقه ,وكم ذا صبر؟يهواها إن غاب أو حضر يهواها في الوحدة والسمر
هل تذكرين الذي كان بالضفتين
يوم كنا والهوى يجتاحنا كالزهرتين
إذ بعثنا من هوانا وجوانا زفرتين
وسكبنا فوق سطح النهر منا دمعتين
وتناظر قصيدة «المواكب» أيضا من القصائد الرومانسية في الشعر العربي الحديث قصيدة «الأطلال» للدكتور إبراهيم ناجي ولحنها رياض السنباطي وغنتها أم كلثوم عام 1966م:
يا فؤادي رحم الله الهوى كان صرحا من خيال فهوى .
اسقني واشرب على أطلاله وارو عني طالما الدمع روى
كيف ذاك الحب أمسى خبرا وحديثا من أحاديث الجوى
الناي
الغابة المتخيلة لجبران خليل جبران لا تكتمل صورتها إلا بأنين «الناي» فالفناء يرعى العقول وأنين «الناي» أبقى من مجيد وذليل وأنين الناي أبدي يظل يعزف - على حد تصوره- بعد أن تفنى الحياة والشموس وتنطفئ النجوم و«الناي» كما تقول ويكبيبديا الموسوعة الحرة الالكترونية: «الناي: آلة موسيقية شرقية هوائية لا يخلو منها التخت الموسيقي الشرقي، فهي من الآلات الأساسية في الموسيقى العربية، يصنع من نبات القصب البري وهو عبارة عن قصبة جوفاء مفتوحة الطرفين وقد أستخدم الناي منذ القدم ، فقد استخدمه البابليون وقدماء المصريون هذه الآلة ويتكون الناي من تسع عُقل بها ستة ثقوب على استقامة واحدة وثقب آخر من الخلف يتحكم به الإبهام» أما لويس معلوف فيذهب في ني القصيدة معجمه إلى أن «الناي جمع نايات: آلة من آلات الطرب ينفخ فيها» المنجد في اللغة والإعلام: 714/ ا ويرى لويس معلوف أن كلمة ناي:فارسية.. ويبدو أن جبران خليل جبران اختار آلة «الناي» تحديدا في قصيدته وأعرض عن الآلات الموسيقية الأخرى كالعود والبوق والمزهر والكمنجة والقانون لارتباط هذه الآلة «الناي» بالحزن ولمناسبة القصيدة وجوها الكئيب الذي يلفه الحزن من كل جانب كان أن أختار الشاعر هذه الآلة الموسيقية لمرافقته في غابته المتخيلة، وجبران خليل جبران يعدونه رائدا في الرومانسية والشعراء الرومانسيون يبالغون في تصوير ألآلامهم وأحزانهم ورسم مخاوفهم وقلقهم في هذا العالم الموحش ,فالشاعر الرومانسي لابد أن يحزن فالشاعر نزار قباني يقول في قصيدته «الحزن»: فالإنسان بلا حزن ذكرى إنسان. فالشاعر الرومانسي لابد أن يحزن وإن لم يحزن فسيظل شبحا تلفظه الرياح في كل مكان ،ولذا فهو حريص على وجوده وتواجده في هذا الكون بالعكوف عند الأطلال باكيا شاكيا حزينا.

