إطلالة على كتاب " مكة المكرمة.. جلال وجمال " للكاتبة حنان حجار
حجاج سلامة
ما من بلد تحن إليه القلوب.. وتتجه له الأفئدة.. وتشتاق له الأعين.. ويتمني زيارته مئات الملايين من البشر.. مثل مكة المكرمة.. قبلة المسلمين.. وخير بقاع الأرض.. فيها يجتمع الناس من شتى البلاد والأعراق والثقافات واللغات.. يأتون من كل حدب وصوب.. لزيارة بيت الله الحرام.. يدعون ويبتهلون إلى العلي القدير راجين رحمته وغفرانه.. في حبها كتبت مئات القصائد.. وعنها وضعت عشرات المؤلفات.
وفي كتابها " مكة المكرمة جلال وجمال.. رؤية تأملية جمالية للمكان والمكانة ".. والصادر عن دار قلم الخيال للنشر والتوزيع، تطوف بنا الكاتبة حنان محمد حجار، في عوالم ومعالم المدينة المقدسة.. وتعرض لنا كيف عبر الفنان التشكيلي عن حبه لها، وكيف ارتسمت في خياله، وكيف تناولها في لوحاته الفنية.
تقول الكاتبة في مقدمة كتابها: " هذا مصنف بسيط، يجمع في محتواه بين مكة الجلال والجمال.. يبحث في معانٍ غير مرئية تنطق بها النفوس لتسمو، وتُزهر بالمشاعر الإنسانية، في اقتراب أكثر من المعاني الساكنة في النفوس.. وتأمل في جلال المكان، وعظمته، وقوته، وسموه، وعزة.. وجماله الذي رسمت معالمه ريشة ملونة مسكونة بجلال المكان وجماله.. ليخاطب الفنان المسلم الأنفس والقلوب من خلال أطروحاته اللونية، وجماليات عبر بها عن انتمائه الروحي لأطهر بقاع الأرض.. محملا بتلك الهبات الربانية من الرحمات والمغفرة.
عالم الشعر والشعراء
وتجول بنا في عالم الشعر والشعراء، وتتوقف بنا عند بعض المحطات الشعرية، التي تناول فيها الشعراء مدينة مكة المكرمة.. وتُسعد قلوبنا بقصيدة الشاعر الأمير خالد الفيصل " أمّ القرى ":
أنا أوّل نور في عيني سناها
وأوّل صوت في سمعي نداها
وأوّل شربةٍ من حلو ماها
وأوّل ما وطتْ رجلي ثراها
ولو شطّتْ بي الايام عنها
تري اوّل ما دخل صدري هواها
وأنا ليَّ الشّرف صرت ابن مكه
ولد فيها نبيّ الله طه
يظلّلني من الكعبه كرامه
وروحي تقطع بْزمزم ظماها
أحبّ أمّ القرَى حبِّي لنفسي
وأعشق أرضها واهوَى سماها
يصلِّي يمّها مليار مسلم
وحجّ البيت هو غاية مناها
حفظها ربّنا من كل عابث
وأمّن بيتها حامي حماها
وانا افدي كل شبرٍ من بلادي
وابيع الرّوح في أصغر حصاها
ولا تنسي الكاتبة أن تسجل لنا ما عُرفت به مكة المكرمة من أسماء على مر الزمان.. وأسباب التسمية.. فهي أم القرى (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) الأنعام: 92.
وهي البلد الأمين (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) البلد:1.
وتحدثنا أيضا، عن ذلك الشوق الذي يغلب المشقة (فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ) إبراهيم: 37. حيث يقول الشريف الرضي: " وهذه من محاسن الاستعادة وحقيقة الهوى: النزول من علو لانخفاض كالهبوط والمراد: تُسرع إليهم شوقا، وتطير عليهم حبا ".
الحج في الماضي
وحرصت الكاتبة على توثيق بعض شهادات الحجاج القدامى من المعمرين في المملكة العربية السعودية، حيث وصفوا لنا مشاق رحلة الحج قديما، ويُسرها وراحتها اليوم، وذلك بفضل ما تقوم به حكومة المملكة وحكامها ومسئوليها من جهود وخطط مشكورة لتوفير الراحة لحجاج ومعتمري بيت الله الحرام.. وسجلت الكاتبة بعض الشهادات لمشايخ من كبار السن والذي يروون لنا كيف كانوا يستعدون لرحلة الحج التي كانت تتم سيرا على الأقدام.. أو فوق ظهور الإبل.. حيث يضم الكتاب بين صفحاته صورا توثق مشاهد الحج في الماضي.
ويتطرق الكتاب إلى كسوة الكعبة المشرفة بين الأمس واليوم، وكيف كان يتم جلب الكسوة من خارج البلاد قبل تأسيس الدولة السعودية، حتى جاء العام 1927 ميلادية، حيث أصدر الملك عبد العزيز آل سعود – رحمه الله – أمراً ملكياً بإنشاء مصنع أم القرى لصناعة كسوة الكعبة المشرفة.. وفي العام 1977 أنشأت المملكة مصنعا جديد لكسوة الكعبة المشرفة، وهو المصنع الذي يعمل حتى اليوم ويخضع لأعمال تطوير متواصلة حتى اليوم.
وفي الكتاب صور لبيت الله الحرام قبل التوسعة.. ولوحات رسمها فنانون مسكونون بوطنهم المملكة العربية السعودية.. وبحب كل ما فوق أرضه.. عاشقون لبيئته وبحره وسمائه وبره.. ولوحات لنفوس تاقت واشتاقت من حجاج بيت الله الحرام.. وهي لوحات جاءت في تتابع حركي.. وسمو ورقي.. ورؤى متجانسة تحدى فيها اللون كل المسافات والأبعاد.. في خطاب لوني بدا وكأنه حوار بين السكينة والسكون.
يُذكر أن مكة المكرمة أن شغف الكتاب والشعراء والفنانين التشكيليين بمكة المكرمة، هو شغف لا ينتهي منذ قديم الأزمنة وحتى اليوم.. حيث يتسابق الكتاب لوضع مؤلفاتهم، ويتواصل بوح الشعراء بمشاعر حبهم للمكان الذي يخرج منه النور والضياء ليزيح كل ظلام على الأرض.. فيما تظل أم القرى ملهمة لجموع الفنانين الذين تتواصل أعمالهم التشكيلية التي تصور لنا أطهر البقاع.. وتحمل بين خطوطها وألوانها أرق وأسمى المشاعر الإنسانية.
يُذكر العناوين المتعلقة بمكة المكرمة، والمدينة المنورة، وبلاد الحجاز، تتصدر قائمة المصادر العربية القديمة والمعاصرة، وباتت عنوانا لمئات المؤلفات والمخطوطات التي تشغل مساحة كبيرة في المكتبة العربية والإسلامية.
وتحل المؤلفات التي توثق رحلات الحجيج القادمة إلى بلاد الحجاز من شتى بقاع الأرض، في المقدمة من بين المؤلفات التي وضعها الرحّالة والمستشرقون، وكُتّاب العالمين العربي والإسلامي.
وفي المقدمة من تلك المؤلفات نجد المؤلفات والمخطوطات التي توثق لرحلات الحج الهندية إلى الأراضي الحجازية، وكذلك رحلات الحج الأندلسية والمغربية، وقد رصدت بعض المؤلفات المتخصصة أكثر من مائة عنوان لمؤلفات ومخطوطات تناولت تفاصيل رحلات الحج من بلاد المغرب والأندلس إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، بجانب مئات المؤلفات والمخطوطات التي تدور في فلك تاريخ مكة والمدينة وبلاد الحجاز، ومئات المؤلفات التي تعالج – كما أسلفنا – الموضوعات المتعلقة برحلات الحجيج القادمة من بلدان وقارات العالم لقضاء مناسك الحج والعمرة.

