واحة بسياء وسلّوت بعُمان: معالم أثرية تضرب بجذورها في أعماق التاريخ
حجاج سلامة
عُرِفت سلطنة عمان بتراثها وغناها بالعديد من المواقع التاريخية، التي تحوي بين جنباتها معالم وشواهد أثرية تعود لعصور مختلفة وأزمنة غابرة.
وتُعد واحة بسياء وسلّوت واحدة من أهم المناطق الأثرية في السلطنة، حيث عرفت تلك المنطقة الاستيطان البشري منذ العصر البرونزي (نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد)، وعلى امتداد العصر الحديدي (1300 ق.م – 300 م).
تقع واحة بسياء وسلّوت على طول سهل وادي سيقم بالقرب من ملتقى وادي بهلاء. وقد تغير امتداد و شكل هذه الواحة عدة مرات خلال العصر الهولوسيني على مدى عشرة آلاف سنة الماضية.
وبحسب وزارة التراث والسياحة العُمانية، فإن الواحة التي كانت مركزاً مُهما للتجارة مع المناطق المجاورة والدول البعيدة، تُعد واحدة من أكثر المشاهد الثقافية إكتمالاً وحفظاً في الشرق الأوسط.
وبالطبع فإن الاستيطان البشري والإستقرار المُستمر بالواحة لم يكن ليتم إلا من خلال توفر الظروف والإمكانيات التي هيأت المنطقة لاستقبال من استقروا بها من البشر، مثل التربة الخصبة والمياده وإدارتها وتقنيات الزراعة التي شهدت تطوراً على مدار آلاف السنين.
وكما تؤكد لنا المصادر العُمانية، وإصدارات وزارة التراث والسياحة، فإن الزائر لمعالم واحة بسياء وسلّوت، سيدرك أهمية هذه المواقع التاريخية وقيمتها وأصالتها الاستثنائية واندماجها المكاني والوظيفي داخل الواحة القديمة.
وقد عملت وزارة التراث والسياحة في سلطنة عُمان على وضع وتنفيذ خطة لإدارة المواقع التاريخية والأثرية في بسياء وسلّوت، وذلك من أجل على أصالتها وصونها والتعريف بأهميتها ليس كتراث عُماني، ولكن باعتبار تلك المعالم تُراثاً للإنسانية جمعاء، وقد في هذا الإطار قيام منظمة الأمم المتحدة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، بضم المشهد الثقافي في بسياء وسلّوت على القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي، تمهيدًا لإدراجه مستقبلا على قائمة مواقع التراث العالمي.
أعمال التنقيب الأثرية
بدأت أولى الاستكشافات الأثرية في واحة بسياء وسلّوت في عام ١٩٧٣م من قبل بعثة أثرية من جامعة هارفارد الأمريكية. وخلال عامي ۱۹۷٤ - ۱۹۷۵م قامت بعثة أثرية بريطانية برئاسة بياتريس دي كاردي بتكثيف أعمال المسح الأثري في الموقع. ومع بداية الثمانينات بدأت أعمال التنقيب بالتعاون مع بعثة أثرية بريطانية من جامعة برمنجهام برئاسة جيفري وجوسلين أورتشارد.
وشهدت الفترة ما بين عامي ۲۰۰٤ - ۲۰۱۹ م أعمال استكشاف أثري بمعرفة بعثة أثرية من جامعة بيزا الإيطالية برئاسة الدكتورة أليساندرا أفنزيني، وقامت البعثة بتنفيذ عدد من أعمال التنقيب الأثري، وكذا أعمال ترميم وحماية لحصن سلّوت، والعديد من القبور الواقعة على جبل سلوت، والتي تعود إلى العصر البرونزي. بجانب أعمال ترميم في برج العصر البرونزي (ST1), والخنادق التاريخية المحيطة به.
وقد تمكنت البعثة من خلال ما قامت به من أعمال تنقيب من اكتشاف قرية أثرية ومقبرة تعودان للعصر الحديدي. وفي ذات السياق، تم وضع تصور للمشهد الثقافي القديم في المنطقة وذلك بالتعاون مع جامعة ميلان الإيطالية، وقامت بعثة أثرية فرنسية باعداد خرائط تفصيلية للمواقع الأثرية التي لم يتم التنقيب عنها باستخدام تقنيات متقدمة للتوثيق الرقمي.
قبور وأبراج
وتضم واحة بسياء وسلّوت، العديد من المعالم التاريخية التي شيّدها القدماء قبل آلاف السنين، مثل القبور الجماعية التي استحدثت في نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد، وكانت عبارة عن أبنية ركامية مخروطية الشكل يصل قطرها إلى أربعة أمتار ولها جدران دائرية مبنية حول غرفة جنائزية باستخدام بلاطات حجرية محلية، وتبين أنه دفن فيها أكثر من خمسة أفراد جنبا إلى جنب مع عدد من المرفقات التي تشمل الخرز المصنوع من الحجر، والأدوات النحاسية، وإناء فخاري مميز مستورد من بلاد ما بين النهرين، وفي لاحقة خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد، أصبحت هذه القبور أكبر حجماً ليصل قطرها ما بين 5 الى ١٥ مترا، وتحوي غرفتي دفن أو أكثر.
ومن معالم واحة بسياء وسلّوت أيضاً، منصات حجرية ضخمة تسمى عادة "الأبراج"، ويتراوح قطرها ما بين إلى ٢٥ ٢٠ مترا، ويصل ارتفاعها إلى عدة أمتار. وقد شكّلت المساحة الداخلية قاعدة للمباني الخفيفة المبنية فوق البرج. وحفر في وسطها بئر ماء مبطن بالحجارة، وأحيط البرج ج بـ بخندق عميق في كثير من الأحيان. وهنالك خلاف وجدل حول وظيفة هذه الأبراج، فهنالك من يفسرها على أنها مساكن محصنة للنخبة، أو ميان ذات صلة بنظام الري والزراعة، أو مبانٍ مرتبطة بطقوس دينية.
وقد شهد سهل سلّوت تمكن علماء الآثار من اكتشاف مقبرة كبيرة تضم (۲۹) مدقنا تقع على بعد حوالي (۳۰۰) متر شرق قرية العصر الحديدي، وهي تعود إلى ما بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي، استخدمت في مراحل الاستيطان الأخيرة للحصن والقرية اللذان يعودان للعصر الحديدي. ونظراً لقلة المواقع الأثرية التي تم التنقيب عنها فإن هذا الاكتشاف يعتبر ذو أهمية كبيرة لفهم مجتمعات العصر الحديدي في عمان.
وتشير اللقى الأثرية التي تم جمعها من القبور إلى استمرار التبادل التجاري بعيد المدى، حيث تم العثور على أدوات غريبة تتضمن أوان زجاجية جميلة مستوردة من الإمبراطورية الرومانية وأوان وأطقم للشراب برونزية للمآدب إيرانية الأصل، وعُثر إلى جانب هذه الأدوات المستوردة على لقى منتجة محليا تنتمي إلى ما يسمى بثقافة "سمد" التي ميّزت عمان في العصر الحديدي المتأخر.
زخارف الأفعى
وفي واحة بسياء وسلّوت، هناك أيضاً، ما يُعرف بـ "زخارف الأفعى"، ومن المعروف أنه منذ عصور ما قبل التاريخ، ارتبطت الأفاعي بمعان ورموز مختلفة، غالبا ما تكون غامضة، ومتناقضة مع بعضها البعض. ولذلك تكررت مجسمات وأشكال الأفاعي على مجموعة متنوعة من الأدوات المختلفة، وبدأ ظهور أشكال الأفاعي في عمان بشكل كبير خلال العصر الحديدي المبكر في القرون الأخيرة من الألفية الثانية قبل الميلاد في تاريخ عُمان القديم، وأكثر ما يميز هذه المجسمات هو الأفاعي الملتفة المصنوعة من النحاس، أو البرونز المصبوبة بشكل كامل في قالب أو المشذبة من صفائح معدنية، وفي كلتا الحالتين، تم إبراز تفاصيلها الدقيقة مثل: الفم، والعينين، والحراشف التي تغطي جسمها. كما أصبحت الأفاعي الملتفة عنصرًا زخرفيا شائعاً على الأواني الفخارية، وغالبا ما توضع على جرار التخزين الكبيرة، أو تلتف على حامل وكوب المباخر. كما عثر على نوع من الأواني التي تعود لهذه الفترة، ولها مقبض طويل مزين بخطوط محززة تذكر فوراً بحراشف الأفعى، وغالبا ما يزين قم الثعبان وعيناه الطرف الخارجي للمقبض.
وبحسب مصادر تاريخية، فإنه من الصعب فهم المغزى الحقيقي الذي تمثله هذه الأفاعي لدى مجتمعات العصر الحديدي في عمان وذلك نظراً لعدم توافر المصادر المكتوبة.
اختام ورموز
ومن الشواهد الأثرية التي عُثر عليها في واحة بسياء وسلّوت، الأختام التي أدخلت لعُمان في العصر البرونزي، وقد استمر إنتاج واستخدام الاختام المسطحة والأسطوانية في عمان طول العصر الحديدي.
وقد عثر علماء الآثار في برج العصر البرونزي (STI) على ختم مسطح مطابق الاختام حضارة وادي السند من ناحية الشكل، والزخرفة، وعلامات الكتابة المستخدمة، ويرجح أنه صنع لتاجر من وادي السند قدم إلى داخل عُمان للتجارة بالنحاس والمعادن الأخرى.
وقد زُينت أختام العصر الحديدي الأسطوانية بشخصيات بشرية ممسكة بأيدي بعضها البعض، ورموز نجمية، وحيوانات، وأشجار.
معركة حاسمة
وتروي لنا المصادر المحلية، أن سهل سلوت كان مسرحاً للمعركة الحاسمة التي حررت البلاد من الغزاة الساسانيين، وفتحت الأبواب لانتشار الإسلام في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية. ومع وصول الإسلام إلى المنطقة، أعيد استيطان سلوت بعد هجرها لمدة طويلة.
وقد أمكن من خلال اللقى الأثرية المتناثرة، أن الاستيطان الإسلامي في سلوت كان خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين العاشر والرابع عشر الميلادي.
نماذج من الفن الصخري
تدلنا المصادر الفنيّة، أن الفن الصخري من أقدم أشكال التعبيرات الفنية والتوثيقية التي طورتها الإنسانية، وتُعد الكثير النماذج التي عُثر عليها من الفن الصخري في المناطق الصحراوية بالكثير من بقاع العالم، وفي شبه الجزيرة العربية، من النماذج الرائعة لهذا الفن.
وقد أسهم المسح الذي تم في واحة بسياء وسلّوت، في التعرف على نماذج من هذا الفن النابض بالحياة.
ووفقاً لوزارة التراث والسياحة العُمانية، فإن مجموعة الرسوم الصخرية التي توصل لها العلماء في الواحة، تضم موضوعات كانت شائعة في المنطقة قديما. ولعل المشاهد الأكثر تكراراً هي لممتطي الخيول وراكبي الجمال، بجانب بعض الرموز مثل الخنجر الذي الذي قد يكون رمزاً لقبيلة ما.

