تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

هكذا بدأت رحلة اختراع الكتابة.. ولم تنته

هكذا بدأت رحلة اختراع الكتابة.. ولم تنته

ما أن تم اختراع الكتابة في سومر وفي مصر الفرعونية وفي شبه جزيرة سيناء وفي مدينة جبيل في الساحل الفينيقي (لبنان) وفي رأس الشمرة(أوغاريت في سوريا)، لم يدخل العالم في عصر التاريخ مجتازاً ما قبل التاريخ فحسب، بل ولج أيضاً إلى عصر العلم، فالامبراطور آشور بنيبال أمر في الألف الثاني قبل الميلاد بإنشاء مكتبة وترجمة جميع الأساطير السومرية والبابلية إلى اللغة الآشورية الفصحى، وكذلك فعلت أوغاريت في سوريا ، إذ ظهر فيها أيضاً أرشيف ضخم ملىء بالملاحم والأساطير. وأخذ الفينيقيون استخدام الجلد ورقّ الغزال عن المصريين القدماء بعد أن كانت الكتابة خربشة على ألواح الطين.  

في مقال نشرته مجلة "أحوال المعرفة" في  شوال 417 هـ  للأستاذ الدكتور حسن ظاظا، المستشار بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، كشف من خلاله أن الكتابة مرت بمراحل مختلفة، وأولى هذه المراحل، الكتابة التصويرية وهي رسم صورة الشىء موضوع الحديث وشكله، وثاني المراحل: مرحلة الرمزية التجريدية، وهي تحويل هذه الصور إلى أشكال متفق عليها في الرسم، وقريبة الشكل من الصورة العتيقة. والمرحلة الثالثة: الكتابة المقطعية وهي رموز تشير إلى مقاطع في تركيب الكلمة. والمرحلة الرابعة: الكتابة الأبجدية، وهي أرقى درجات الكتابة القديمة، وهي ثمرة لتطوير التقنية في التسجيل من الانتقال من تصوير الشىء أو تجريدة وتلخيصه إلى تحليله إلى مقاطع صوتية لا علاقة لها بنطق الكلمات ،ثم أخيراً إلى تحليل هذه المقاطع إلى اللغة الأوروبية وغيرها وقد توجد الحركات موزعة فوق الحروف الساكنة وتحتها مثل حركات التشكيل في اللغة العربية والعبرية والسريانية وما إليها.

كانت رسائل التسجيل بالكتابة هي ثمرة محاولات إنسانية طويلة جداً، لتحويل الصوت المسموع إلى كلام يدركه البصر. فمنذ العصور الهيروغليفية الأولى في مصر وسومر كانت الكتابة هي المفتاح الذي فتح أبواب المكتبات في العالم، بدليل ما أشرنا إليه من أن ألواح الفخار الأشورية كانت الأرشيف الكامل لتراث تلك الحضارة سواء الأصلي منها أو المترجم. والكتابة التصويرية في مصر لا تخرج عن هذه القاعدة إلا قليلاً، وهذا القليل هو اعتزاز المصري بتراثه الفكري، فلم توجد في بردية ولا نص محفور على الحجر أو المعدن وهو مترجم، بل كانت كلها مصرية صحيحة. حتى أن الكاتب المصري كانت تعد وظيفته مقدسة.

عُرفت في الكتابات المصرية أنواع منها الهيروغيليفة، وهي الكتابة الصرحية الملكية الفرعونية التي تحافظ على الرمز كما هو ، والكتابة الهيراطيقية أو كتابة الكهنة وتقل فيها الصور الهيروغليفية، وتكثر فيها الكتابة على أوراق البردي، أو على رق الحيوانات لتحفظ في طوامير أو في صفحات صارت فيما بعد دفاتر. وجاءت فينيقيا فحللت الصورة والمقاطع إلى عناصرها الأولية أي الأصوات مما انخفضت به أعداد الوحدات المستعملة من بضعة آلاف في الكتابة البابلية الأشورية إلى بضع مئات قليلة في الكتابة الفرعونية، إلى أبجدية تدور حول ما يقرب من ثلاثين حرفاً في الكتابة الفينيقية. ولذلك ولقرب فينيقيا من أوروبا انتقلت هذه الخطوة من التسجيل بالكتابة وغزت العالم المتحضر القديم كله وبخاصة أوروبا. ولا يمكن الفصل بين فكرة المكتبة وفكرة الكتاب، فمنذ الخطوات الأولى أحس الإنسان أن تحويل الصوت المسموع إلى أشكال مرئية لم يكن عبثاً ولكنه كان للحفاظ على التراث. 

    


هكذا بدأت رحلة اختراع الكتابة.. ولم تنته
Ehsan Logo