تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الأقصر.. مدينة تعود بزوارها إلى زمن الشعر فى مصر القديمة .. معابد ومقابر تُسجل جدرانها قصائد حب وغرام عمرها 3500 عام

الأقصر.. مدينة تعود بزوارها إلى زمن الشعر فى مصر القديمة .. معابد ومقابر تُسجل جدرانها قصائد حب وغرام عمرها 3500 عام

حجاج سلامة 

يقول الشاعر محمود غنيم في قصيدة بعنوان "نشيد الأقصر": 

يا بلدة الأَقصُر  

دانتْ لك الأعصُرْ 

واديك كالأسطرْ 

في صفحة الخلدِ 

لِمُلُوك واديكِ 

شهدت أَعاديكِ 

كم معبدٍ فيكِ 

أَرسَى من الطود 

يا كعبةَ الغرْب 

في دولة العُرْب 

كم فيك من ركْب 

كم فيك من وفد 

كم فيك من سِفْر 

قد خط بالتبْر 

من سالف الدهر 

نقشًا على البرْدِي 

آثارك الغَرَّا 

قد صيرت مصْرا 

بين الورى طُرَّا 

علَمًا على المجد 

في تربك الطاهر 

مجدٌ لنا غابر 

سيُعيده ناصر 

بالعزم والجد 

ويصف الشاعر محمد البريكي – مدير بيت الشعر في إمارة الشارقة - مدينة الأقصر بأنها "قصيدة النيل ومعزوفة الشعراء"، ويقول في مقال خاص عنها: "على مقربة من "الكرنك، والأقصر" والتاريخ الراسخ فيهما، تحلق طيور مغردة تتوقف لغنائها الشوارع المكتظة بالمتأملين، والساهرين على آثار تتحدث بلسان جنوبي فصيح يقول للعالم: هنا تاريخ ساحر تهوي إليه أفئدة كثيرة، وتطير إليه أحلام كبيرة، أحلام الشعراء أبناء الغيم الماطر والعزف الآسر، فتجد الشعر قد سبقها وهو ينشد مواويله على مسارحها وحول آثارها وفي قلوب ناسها".  

ويستحضر الشاعر حسين القباحي بعضا من تاريخ المدينة الخالدة في قصيدة له بعنوان "نقوش على جدران الكرنك":  

في قدس الأقداس 

تغني بيتين تبادلنا نسج حروفهما 

ومسلة "حتشبسوت" تشير إليها أن هيا 

وكأول سيدة دخلت قلب جنوبي دخلت 

الناس الموتي ما بين الشاطئ و"الكرنك" محتشدون 

"يحيى الطاهر" يغلق بوابات المعبد 

ويتغنى الشاعر الحسين خضيري في مقدمة كتابه "الأقصر في الشعر والفن العالميين" بمدينته الأقصر فيقول: 

تُسافر الشمس في جبهتك 

وأخبارُها في المدى 

تُشرق إن تبسمي مرة 

وتهجع – لو تعبسي – في الخيال 

 

كثيرة هي أحاديث الشعر والشعراء عن "الأقصر"، تلك المدينة المصرية القديمة الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، حيث يتجاوز عمر معابدها ومقابرها الباقية كشاهد على حضارة المدينة ومكانتها الثقافية أكثر من 3500 عام، فيما يعود تاريخ بعض معالمها الأثرية المهدمة لأكثر من 5000 عام. 

والمدينة التي صارت اليوم أحد أهم مقاصد السياحة الثقافية فى العالم، تضم بين جنباتها مئات المقابر وعشرات المعابد التي شيدها ملوك وملكات ونبلاء ونبيلات مصر القديمة، والذين جعلوا منها عاصمة لمصر القديمة وللعالم على مدار مئات السنين، حيث كانت تعرف باسم طيبة. 

وقد أطلق على المدينة الكثير من الأسماء والصفات، فأطلق عليها المؤرخ اليوناني هيرودوت الملقب بابو التاريخ اسم " مدينة المائة باب " وذلك نظرا لاتساعها وكثرة بوابات معابدها الشاهقة.. 

وهي مدينة " الصولجان " رمز السلطة والحكم، وهي أيضا " نوت " و " واست " و " المدينة الجنوبية " و" وطيبة " كما أطلق عليها قدماء المصريين، وهي " سيدة كل المدن " كما أطلق عليها البطالمة.. 

كما عُرفت باسم مدينة القصور لكثرة ما بها من مبانٍ شاهقة، ثم أطلق عليها العرب اسمها الحالي "الأقصر". 

وتشتهر الأقصر بحضارتها وبفنونها وعمارتها القديمة، التي يتوارثها أهل المدينة من جيل إلى جيل، ومن اللافت أن تلك المدينة عرفت الشعر والشعراء، وقصائد الحب والغزل والغرام قبيل آلاف السنين، حيث كان الشعراء القدامى يلقون قصائدهم وسط المعابد وعلى شواطئ نهر النيل الخالد، ووسط الحدائق والحقول. 

زمان الشعر  

وبحسب الآثاريين وعلماء المصريات، والمؤرخين القدامى والمعاصرين، فإن جدران المقابر والمعابد فى الأقصر، بجانب أوراق البردي، وقطع الأوستراكا، تسجل الكثير من القصائد الشعرية التي كتبها شعراء مصر القديمة، ما بين أناشيد كانت تغنى فى المعابد، وقصائد غزل وحب وغرام، ونصوصا شعرية تمجد الجيش والوطن. 

وبجانب قصائد الشعر كتب أدباء الأقصر فى العصور المصرية القديمة، الحكايات الأدبية، والأناشيد والتراتيل الدينية، والقصائد وقصص الرحلات والمغامرات، وقصص الحب والمسرحيات الشعرية، وحكايات خرافية وأساطير فائقة الخيال، لكن أرقى تلك النصوص والكتابات كانت فى مجال الشعر الرومانسي. 

وقد وثّق شعراء وأدباء مصر القديمة، الكثير من نصوص الحب والعشق على جدران المقابر التي تعرف باسم مقابر النبلاء والأشراف فى الأقصر " وعلى قطع من الفخار والحجر الجيرى يطلق عليها اسم " الأوستراكا " والتي سجل عليها المصري القديم مشاعر حبه ولوعته مثل قول أحدهم واصفا معشوقته فى إحدى المخطوطات القديمة: " أنها الفريدة المحبوبة التي لا نظير لها أجمل جميلات العالم، انظر أليها كمثل النجمة المتألقة في العام الجديد على مشارف عام طيب.. تلك التي تتألق والتي تبرق بشرتها بريقا رقيقا، ولها عينان ذواتا نظرة صافية وشفتان ذوتا نطق رقيق، ولا تخرج من فمها أبدا أية كلمة تافهة.. هي ذات العنق الطويل والصدر المتألق شعرها ذو لون لامع، أن ذراعيها تفوقان تألق الذهب، وأصابعها تشبهان كؤوس زهرة اللوتس.. أنها ذات خصر نحيل. وهي التي تشهد ساقها بجمالها.. ذات المشية المتسمة بالنبل عندما تضع قدميها على الأرض ".  

وقد سجلت كتب المصريات، الكثير من قصائد الحب والغزل فى مصر القديمة، حيث يقول عاشق فى وصف حبيبته: 

" محبوبتي فريدة ولا مثيل لها.. انها أجمل نساء العالم.. انها نجمة براقة فى السنة الجديدة.. انها تنطق جمالا وتشع بشرتها كالشمس.. وشفتاها تنطق بحلو الحديث.. أصابعها كسيقان اللوتس.. قبلتها تأخذ قلبي.. وتشرأب رقاب الرجال حين يلمحونها ". 

وتقول فتاة عاشقة لمحبوبها فى نص شعري: " تعالى نحوي ياحبيبى.. لأتلمى جمالك.. وليسعد أباك ولتسعد أمك وليفرح الجميع بنا ياحبيبى ". 

وتقول فتاة أخرة مخاطبة محبوبها: " لا أعرف كيف أتحاشاك.. هل سألقاك ياحبيبى.. إن النهر يبدوا طريقا لي.. لأنني فقدت صوابي.. سوف أخبره بأنني له.. وسوف ينشد أسمي ". 

وكتبت فتاة حزنا على فراق حبيبها: " إنني لا أرتدى ملابسي الجميلة ولا اضع كحلا ولا أتعطر بأجمل العطر ". 

بيت الشعر 

ومن المعالم الثقافية الحديثة فى المدينة يوجد "بيت الشعر فى الأقصر"، والذي أقيم برعاية من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، وهو البيت الذي صار قبلة للشعراء والمثقفين المصريين من كل محافظات مصر، عبر فعالياته التي يديرها الشاعر المصرى حسين القباحي – مدير البيت. 

وقد أعاد بيت الشعر فى الأقصر، المدينة الخالدة الى زمان الشعر بين معابدها وعلى شواطئ نيلها ووسط حدائقها وحقولها، حيث كان شعراء مصر القديمة يصدحون بقصائد الحب والغزل والغرام. 

وفى المهرجان السنوي للشعر العربي، والذي ينظمه بيت الشعر فى الأقصر سنويا، بحضور لفيف من المثقفين المصريين والإماراتيين والعرب، يصدع الشعراء المعاصرون بقائدهم وسط معابد الأقصر، على غرار ما كان يجرى فى المدينة قبيل آلاف السنين. 

أجيال من الشعراء 

وقد عرفت الأقصر الشعر منذ عهود الفراعنة كما أسلفنا، ونقش الشاعر المصري القديم قصائده على جدران المعابد، وظلت الأقصر غنية بشعرائها على مر التاريخ. 

وخلال الـ 200 عام الماضية، كانت الأقصر تشتهر في الحركة الشعرية المصرية بعدد من شعرائها الذين كان لهم مكانتهم بين شعراء مصر آنذاك. 

وقد روي لنا ناصر الفولي، وهو باحث بموسوعة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين الثقافية، سير بعض هؤلاء الشعراء مثل: الشاعر أحمد الطاهر الحامدي - 1332-1258هـ 1913-1842م - تلقى علومه المبكرة على يدي والده، ثم في الأزهر الشريف، وتولى إلقاء الدروس الدينية على أهل أرمنت، جنوب الأقصر، رافضا العمل في سلك القضاء الشعري، أو التدريس بالأزهر الشريف. 

ولم يجمع كل شعر "الحامدي" في ديوان، ولكن نجله جمع منها 20 قصيدة في كتاب عن حياة والده، وشعره ينتمي لشعر المتصوفة، أكثره في المديح النبوي وفي الوعظ، والرثاء، ومعجمه صوفي ديني، ولغته تراثية، وعروضه خليلي. 

والشاعر محمد موسى كريم الأقصري - 1375-1298هـ 1955-1880م – الذي ولد في الأقصر، وتوفي فيها، وحفظ القرآن الكريم مبكرا، ثم درس بالأزهر الشريف، وعمل خطيبا بمساجد الأقصر، واشتهر بعلاقته بالزعيم سعد زغول قائد ثورة 1919، وكان واحداً من أركان صالون "المعقل الأشهب" الذي كانت تقيمه الشاعرة أوليفيا عويضة، أحد شاعرات الأقصر في تلك الفترة، وله ديوان مطبوع بعنوان "خواطر الصبا" وصدر في عام 1340هـ/1921م، وله أعمال أخرى مثل " الزمان والأصدقاء"، وهي رسالة أدبية أخلاقية وضعها في قالب المحاورة والمناظرة. 

والشاعر محمد الشرقاوي الحامدي - 1392-1295هـ 1972-1878م – الذي نشأ في أسرة متدينة ذات علم وأدب، فتعلم على والده وحفظ القرآن الكريم ودرس العلوم الدينية والشرعية، وعمل إمامًا وخطيبًا لمسجد الكرنك، كما عمل وكيلاً لمجلة الإسلام في الأقصر، وكان يشارك في عدد من الصحف ويراسلها حتى لُقّب بالصحفي العجوز، ونشط في العمل الإجتماعي والسياسي من خلال مشاركته في الأحزاب السياسية وشارك في الاحتفال بالمناسبات الدينية والاجتماعية والقومية شاعرًا وخطيبًا، وقد شعره نظم في أغراض الرثاء والمدح والفخر والتهنئة، وارتبط شعره بالمناسبات الاجتماعية والوطنية. 

والشاعر الكامل الطاهر الحامدي - 1334-1298هـ 1915-1880م – الذي حفظ القرآن الكريم، وتلقى تعليمًا أزهريًا، حتى حصل على الإجازة العالية في الأزهر. 

عمل خطيبًا وإمامًا، إلى جانب عمله بالدعوة، انتسب إلى التصوف والطرق الصوفية، وله مطولة شعرية في رثاء أبيه (106 أبيات) مطبوعة في نشرة خاصة، وله منظومة (أرجوزة) تعليمية تشرح مسائل علم البيان. 

وهو شاعر فقيه متصوف، وقصيدته الباقية في رثاء أبيه يجري فيها على عادة القدماء، ويستمدّ صوره وتراكيبه اللغوية من الشعر التراثي مستفيدًا من معجم المدائح النبوية وقصائد الغزل القديمة. 

ومن الأجيال المعاصرة، عرفت الأقصر وجوهاً شعرية مشرقة بداية من جيل الروّاد الذي يمثله الشعراء، محمود منصور، ومحمد عادل، وعبد العزيز لبيب، وعبد الرسول عبد الحاكم، وعز العرب عبد الحميد ثابت، وغيرهم. 

تلاهم الجيل الذي يحمل راية الشعر في المدينة اليوم، ويقود الحراك الشعري المتواصل والممتد من الأقصر، مرورا بكل ربوع مصر وحتى العالم العربي، ومن بين تلك الوجوه التي أسهمت في إثراء الحركة الشعرية في الأقصر الشعراء: حسين القباحي، والدكتور النوبي عبد الراضي، وأحمد فؤاد جويلي، ومحمد جاد المولي، ومن جيل الشباب: الشاعر حسن عامر، الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية، و أحمد العراقي، ويحيي سمير، وغيرهما، ومن الوجوه الشعرية النسائية: عزة شرقاوي، وآمال منصور، وشيماء إبراهيم، وغيرهن، ومن شعراء العامية نذكر بكري عبد الحميد ومحمود مرعي وغيرهما. 

ومن شعراء الأقصر الذين حققوا مكانة عالية في عالم الشعر خارج البلاد، الشاعر الأقصري الدكتور عارف كرخي أبو خضيري، الذي يلقب بشاعر المهجر الأسيوي، ومن المترجمين الشاعر والأديب والمترجم الحسين خضيري. 

الأقصر في عيون شعراء العالم 

وعلى مر العصور لم تغب الأقصر عن عيون وأخيلة الشعراء انطلاقا من "هوميروس" الذي وصفها في إلياذته الشهيرة"، وامتد عقد الشعراء العالميين الذين كتبوا عن الأقصر، واستلهموا قصائدهم من عبق تاريخها، وتقرأ فوق جدران معابدها آيات الشموخ والخلود، انطلاقا من شيلي رفيق كيتس واللورد بيرون، وأحد أشعر الرومانسيين الإنجليز، والذي صاغ الكثير من القصائد لطيبة القديمة (الأقصر حاليا)، وتيريزا هولى الشاعرة الإنجليزية التي عشقت مـصـر وكتبت عن أرض طيبة ومجدها، والشاعر الأمريكي هنري آبي الذي وصف النيل والنخيل وطيبة ومعابدها في قصيدة طويلة بعنوان "عبر النيل"، وكذلك الشاعر الإنجليزي بريان وولر بركتر. 

وكتب عن الأقصر أيضاً، بهيام لا نظير له الشاعر الإنجليزي نيكولاس ميشيل، عاشق الممالك القديمة، حيث كتب عدة. 

وكتب شعراء العصر الفيكتوري أيضاً عن طيبة (الأقصر حاليا)، ومنهم جوزيف إيليس صاحب جماعة برايتون الأدبية، كما كتب عنها ريتشارد ميلنيس أول لورد لمدينة هوتون الإنجليزية، وكان عضوا في البرلمان الإنجليزي آنذاك. 

 أما الشاعرة والروائية الإنجليزية فلورنس مارجريت فلم تقاوم سحر تمثال ممنون الذي ألهمها قصيدة رائعة، وضمت قائمة من كتبوا عن الأقصر من شعراء العالم، والذين أوردهم لنا كتاب "الأقصر في عيون الشعر والفن العالميين"، الشاعر الكندي مايكل ويليام، والأيرلندي باري. إن. ويليامس، دون مانويل إكاكينو الشاعر والروائي النيجيري، والشاعر والمسرحي الأمريكي كيل يانج رايس، والشاعر والكاهن والمعلم والمؤرخ الإنجليزي آرثر وينتورث هاميلتون إيتون.  

ونختار من بين تلك القصائد التي كتبها شعراء العالم عن الأقصر، قصيدة "طيبة العتيقة" لنيكولاس ميشيل، وهو شاعر وأديب انجليزي توفي سنة 1880 ميلادية، وقد ترجمها لنا الشاعر والمترجم الحسين خضيري: 

طيبة ما تزال 

 تسمع أنغام ممنون الروحية 

 حيث ملوك مصر الأوائل 

 شيدوا عروشهم 

جوف المحبوب الملكة ذات المائة بوابة 

رغم كونها سقطت - ما تزال كبيرة – هادئة، رغم أنها تعيسة 

 في برودة مع الدهشة تجري في أوردتنا الدماء 

بينا ندنو من آثارها الممتدة، عملاقة تظل.  

غابات الأعمدة تتوج وجه نيلوس 

علت بفنون تحتهم المسلات إلى السماء 

 تقود نحو معابد راضية ومقابر مثلها عظيمة  

زعماء عمالقة، جلسوا عن قرب، في الجرانيت  

 مستغرقون في التفكير، غرقى حزن عميق.  

عمالقة أو الهة بنو هذي الأسوار التي تقف تتحدى السنين، ويد الأطلال المدمرة 

 وسيع للغاية، ومهيب المشهد الذي نراه  

وما كُنّا محيطين ولكن نضرب الأمثلة.

الأقصر.. مدينة تعود بزوارها إلى زمن الشعر فى مصر القديمة   .. معابد ومقابر تُسجل جدرانها قصائد حب وغرام عمرها 3500 عام
Ehsan Logo