تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

القدس في الرواية العربية: شهادات وأوراق نقدية

القدس في الرواية العربية: شهادات وأوراق نقدية

حجاج سلامة

صدر حديثاً في العاصمة الأردنية عمّان، كتاب "القدس في الرواية العربية"، والذي ضم مجموعة من الدراسات الأدبية والنقدية التي وثّقت لحضور مدينة القدس في الرواية العربية، إضافة إلى شهادات عدد من الروائيين العرب الذين تناولوا القدس في أعمالهم الروائية.

الكتاب الذي طبع بدعم من عمادة البحث العلمي بجامعة البتراء الأردنية، ضم أوراق العمل التي جرى مناقشتها ضمن جلسات مؤتمر القدس الذي عقدته الجامعة في العام 2019.

وهو المؤتمر الذي رأى فيها المثقفون والنقاد فعلا علميا وثقافيا يستحق التقدير، لما له من أثر في الاهتمام بدراسات القدس وبحضورها الثقافي والأدبي الذي يتكامل مع جهود أخرى تسعى للحفاظ على صورة المدينة حية خالدة في وجدان الأجيال، إلى أن تتحقق حريتها المنشودة، وتعود إلى سابق عهدها مدينة عربية عامرة بالتنوع الثقافي والديني، وعاصمة روحية وثقافية تفيض على العالم بالنور والخير والإيمان.

ووفقا لمقدمة كتاب "القدس في الرواية العربية"، التي كتبتها الناقدة والأكاديمية الدكتورة أماني سليمان داود، فإن هذا الكتاب خرج إلى النور أخيرا بعد مرور 4 سنوات على مناقشة ما احتوته صفحاته من أوراق ودراسات.

وبحسب صفحات الكتاب، فقد حظيت مدينة القدس باهتمام بارز في متون الرواية العربية في العصر الحديث، حيث يسعى الروائيون إلى تمثيل مدينة القدس وإلى تصويرها من زوايا مختلفة، ويدلّ هذا الاهتمام أنهم يرون أن للقدس واجب الرعاية، وأنها محور رئيسي من محاور الكتابة الإبداعية، بما يتيح الفرصة لاكتشاف جماليات هذه المدينة وترسيخها، وتثبيت صورة القدس بمحمولاتها الفنية ومعانيها الرمزية والتاريخية في نفوس الأجيال القادمة، لتظل بؤرة ضوء تزيح بعض العتمة فلا يغافلها النسيان، ولتظل حاضرة فنيا ورمزيا حتى يحين حضورها حرّة محررة واقعيا، فالمبدع بشكل عام والروائي على نحو خاص يشعر بالالتزام تجاه قضيته ومدينته فيكرّس جزءا من إبداعه لإنتاج سردية مضادة ومناهضة لتلك التي ينتجها كتّاب دولة الاحتلال.

وكما يدلنا الكتاب، فقد اختارت روايات عربية كثيرة موضوعة القدس بشكل جزئي أو كلي لإثبات الحق التاريخي لأهل هذه المدينة الحقيقيين بعيدا عن أكاذيب وأوهام مصنوعة، مستثمرة ما يمنحه جنس الرواية من أدوات فنية جمالية، وربما يربك الروائي أن يقارب القدس على نحو ما يقارب أي مدينة أخرى؛ ذلك أنها في وجدانه مدينة مقدسة ذات مكانة دينية وثقافية خاصة، لذا كثيرا ما يظل أسير الصورة المثالية أو النموذجية للمدينة، وقد يحول ذلك دون رسمه صورا لبشر واقعيين كما يفعل حين يقارب فنيّا أية مدينة أخرى.

كتاب "القدس في الرواية العربية"، وثّق لنا شهادات عدد من الروائيين العرب ممن تناولوا القدس في إبداعهم، وهم: واسيني الأعرج (من الجزائر)، وأسامة العيسة (من فلسطين)، ود. إبراهيم السعافين وليلى الأطرش وإبراهيم نصر الله (من الأردن)؛ أضاءت تجاربهم وكتاباتهم مدينة القدس فنيا ووجدانيا ونفسيا وحياتيا. كما اشتمل المؤتمر على أوراق نقدية قدمت صورة القدس في روايات بعينها؛ وبمقاربات مضمونية وفنية جلّت رؤاها وأبعادها وجمالياتها وتقنياتها.

وفي الورقة التي جاءت بعنوان:(صورة القدس في رواية جبرا إبراهيم جبرا)، اختار الدكتور أحمد حرب (من فلسطين) روايتي جبرا، وهما:(صيادون في شارع ضيق)، و(السفينة)، بوصفهما نموذجين لرواية القدس، وعمد إلى تحليلهما وربطهما بأعمال أخرى للكاتب من وجهة نظر رواية المدينة (الصورة)، تلك التي تتمثل فيها صورة المدينة من خلال نضالات الشخصية الرئيسة وذكرياتها، حيث أوضح من خلالها قوة علاقة الفلسطيني بمدينة القدس وارتباطه بها، وكأنه مصنوع من صخورها كما يقول جبرا.

أما الدكتور بسام قطوس (من الأردن)، فقدم ورقة بعنوان: (القدس في المتخيل الروائي العربي: مقاربة لروايتين)، قارب فيها روايتين وقفتا عند مدينة القدس من زاويتين مختلفتين وهما: (ظل آخر للمدينة) لمحمود شقير و(حارة النصارى) لنبيل خوري، وقد سعى الباحث في قراءته إلى استكناه رؤية كل منهما للقدس، وتبيان صورتها في متخيل روائيين فلسطينيين من أصحاب الديانات السماوية؛ الإسلامية والمسيحية، وقد تغيّت الورقة الإجابة عن بعض الأسئلة من مثل: هل شكلت القدس ربطا ما، مكانيا أو زمانيا أو روحيا، بين الديانات السماوية: اليهودية والمسيحية والإسلامية، وهل حضرت هذه المدينة أم غابت في الرواية العربية، وما شكل حضورها، وهل كان حضورها كموضوع للصراع القائم عليها، أم كفضاء محتل، وهل تناولت الروايات قدسية المكان، أم جاءت كشكل مؤثر ومؤسس للوعي الانساني بقيمة القدس، وهل كان ارتباط القدس بالرواية ارتباطا وجوديا يعبر عن هوية الأرض/القدس؟.

وقدّمت الدكتورة رزان إبراهيم (من الأردن) في ورقتها التي جاءت بعنوان: (المجتمع المقدسي قبل نكبة 1948: قراءة ثقافية لرواية إبراهيم السعافين "ظلال القطمون")، عند ضرورة الإحالة إلى التحدي الذي واجه الروائي في توثيق الأحداث التاريخية داخل الرواية، بما يضمن عدم الإخلال بالنسق التاريخي، إضافة إلى التحدي الأكبر وهو المعالجة الفنية التي تحسن توظيف المادة التاريخية بما يعزز القيمة التأثيرية للرواية، وهو ما قامت القراءة بتناوله عبر محاور رئيسية هي: الرواية والمكان، والحضور الأنثوي، والعلاقة مع الإنجليز فضلا عن الطاقة التأثيرية الجمالية.

أما الدكتور عادل الأسطة (من فلسطين)، فجاءت ورقته بعنوان: (الروائيون العرب والقدس: القدس بين الرواية في فلسطين والرواية في العالم العربي)، وقدّم فيها مقاربات لثلاث روايات لثلاثة روائيين عاش أحدهم في القدس وعرفها واختلط بسكانها وذرع شوارعها وعرف تفاصيلها وسكانها، وهو عارف الحسيني، وروائيان آخران كتبا وهما بعيدان عنها وزارها أحدهما بعد كتابة روايته وهو واسيني الأعرج من الجزائر، فيما لم يزرها الثاني حتى اللحظة، وإنما هجّر أهله منها وهو حسن حميد من فلسطين، ووقف الأسطة في ورقته عند سؤال مركزي يرصد في الإجابة عنه كيفية انعكاس كتابة الروائيين المختارين عن القدس من حيث: الدقة في الوصف، واللغة، والكتابة عن اليهود والآخر غير اليهودي. 

في ورقته:(بلاغة الأشياء في رواية القدس) توقف الدكتور مصطفى الضبع (من مصر) عند مجموعة من المفردات ذات الحضور السردي في رواية القدس، وهي: الشمس، الكتاب، المصباح، المفتاح، القلادة الذهبية، وغيرها من الأشياء التي تمثل نوعا من العلامات السردية، حيث تبدو صامتة في صخبها نحو إنتاج دلالتها وتحقيق حضورها وتمثيلها للثقافة الإنسانية. وقد رأى الضبع أن تلك المفردات في رواية القدس تمثل نسقا سرديا خاصا، تمنحه سماته قدرا من تميزه الدلالي وقيمته الفنية؛ فهي مساحة تكتنز فيها الرموز وتتعاضد فيها الدلالات لتحقيق قدر من القيمة الفنية شديدة الثراء.

أما ورقة الدكتور ناصر شبانة (من الأردن) والتي جاءت بعنوان:(تقنيات السرد الروائي في رواية القدس: "قصة عشق كنعانية" للفحماوي أنموذجا)، فقد سعى فيها إلى تتبع طرق السرد الروائي وتقنياته في الروايات التي تتناول موضوعة القدس، انطلاقا من فرضية أن رواية القدس رواية ذات خصوصية؛ إذ إنها رواية مقاومة تتأرجح بين طرفي النفي والإثبات، أي نفي الحق الصهيوني المزعوم، مقابل إثبات الحق الفلسطيني، وهذا الغرض الروائي له انعكاساته على بنية الرواية التي تتجلى في توظيف تقنيات روائية خاصة لها ما يستدعيها، ولها ما يمليها على السارد في محاولاته الحثيثة لإثبات طرف من الثنائية ونفي طرف آخر، لتغدو رواية القدس طرفا فاعلا في معادلة الصراع مع العدو، ووسيلة من وسائل المقاومة المشروعة ضد الاحتلال، وقد توقف الباحث عند عدد من التقنيات الأساسية في الرواية من مثل اللغة الحجاجية، وموقف الراوي، وضمائر السرد، والحوار الجدلي، وإيهام القارئ، وإخفاء وجهة النظر تحت محور التاريخ والأسطورة وسواها.

وقدم الدكتور وليد الشرفا (من فلسطين) ورقته التي جاءت بعنوان: (القدس في السيرة الذاتية الفلسطينية: "خارج المكان" و"البئر الأولى" حالة من سؤال القداسة إلى سؤال الهوية)، وتضمّنت قراءة للمكان الفلسطيني/ القدس، بأبعاده الجمالية والتاريخية، من خلال رحلتين للتاريخ والوعي الفلسطيني، جسدهما تاريخ خاص يشكل علاقة أيقونة مع نفسه ومع المكان؛ التاريخ الجمالي للقدس وفق علاقة البداية والقداسة وسؤال الهوية الجمالية عند جبرا، وبين سؤال التاريخ النقدي للاستعمار وسؤال عقدة الأصل والبداية والإشكالية البنيوية والفردية عند إدوارد سعيد، حيث شكلت السيرتان: (خارج المكان) و(البئر الأولى) الشهادة المزدوجة للتاريخ الفلسطيني الجمعي والفردي معا ضمن فضاء القدس.

وجاءت ورقة الدكتور أحمد الخطيب (من الأردن)، بعنوان:(جمالية المكان وتسريد التاريخ في رواية "جسر على نهر الأردن: تباريح جندي لم يحارب")، وتناولت جمالية المكان في رواية: (جسر على نهر الأردن) لأسامة العيسة، متمحورة حول مكانين مركزيين هما: جسر دامية على نهر الأردن، والأرض التي تمتد غربه وشرقه، وقرية إرطاس المجاورة للقدس الشريف، حيث لاحظ أن الأول كان مصدر الحيرة والقلق والخوف والتشتت والضياع، وشكل تهديدا لهوية شخصيات الرواية الرئيسة، والثاني جاء نقيضا للأول في ألفته وحميميته، وإحساس أبطال الرواية فيه بالأمل والطمأنينة. وكان للمكانين أكبر الأثر في شخصيات الأبطال وحيويتها وفي تشكيل الرواية وبنائها الفني، واستخدام التقنيات التشكيلية الأنسب، مثل: المونولوج، والتداعي والعودة إلى الماضي والأحلام وغيرها، وعالجت الدراسة تسريد الروائي للتاريخ المتصل بحرب حزيران، وانطلاق المقاومة الفلسطينية، وما يتصل بإرطاس عبر التاريخ.

ومن الأوراق التي احتوى عليها كتاب "القدس في الرواية العربية"، ورقة بعنوان:(صورة القدس قبيل النكبة في رواية "فرس العائلة" لمحمود شقير)، للدكتورة أماني سليمان داود (من الأردن)، وقد اجتهدت هذه الورقة في استجلاء صورة القدس قبيل النكبة (1948)، كما تبدت في رواية" فرس العائلة" للأديب الفلسطيني محمود شقير، حيث عمدت إلى تتبع مواطن حضور مدينة القدس في الرواية، من خلال بنية تقوم على استحضار عشيرة بدوية متخيلة تسكن قرب القدس، وتمثل شكلا من أشكال العائلات الممتدة التي يمكن أن تكون صورة مصغرة من صور المجتمع الفلسطيني الكبير، حيث ترسم الرواية تحولات أفراد هذه العشيرة مكانيا وزمانيا بتأثير من مدينة القدس، وتعرض لاشتباكهم بها على مستويات حياتهم المختلفة؛ الاجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية، إذ تبدو مدينة القدس في الرواية مكانا مركزيا يتطلع أبطال الرواية إلى مقاربتها والإفادة منها بوصفها مؤثِّرا ومرجعية ومصدرا لمفردات حياتية كثيرة، كما تتجلّى مدينةً حيويةً موّارةً بالحياة وبتفاعل الناس من خارجها مع المجتمع فيها، فيتشاركون معه في التفاصيل اليومية، وفي مواجهة التحديات التي تحيط بهم؛ خصوصا في مرحلة الثورة الفلسطينية ودخول العصابات الصهيونية حيث الصراعات ما انفكت تهدد سكينة المدينة الأليفة التي يتجاور فيها الناس على اختلاف رؤاهم وتوجهاتهم الدينية والسياسية، ويتوافقون على عدو واحد يعمل جاهدا على انتزاعهم من أرضهم التي تعبق بوجودهم التاريخي والحضاري والإنساني ساعيا إلى إحلال وجوده الناتئ الغريب تحت عباءة ادّعاءات كاذبة مصنوعة. 

 

 

 

القدس في الرواية العربية: شهادات وأوراق نقدية
Ehsan Logo