بحسب مقولة أبي الطيب المتنبي: ضحك كالبكا .. مع الإيقاع المتسارع لعصر التقنية .. هل يختفي الأدب الساخر؟!
عندما بعثر الفنان الساخر محمد كمال المصري (1886-1966) مجموعة من الحروف بحثا عن لقب خاص به ، خرجت له كلمة: ( شرفنطح) فاتخذها لقبًا له استمر معه في كل أعماله الفنية التي بلغت (45) عملا بين السينما والمسرح، فاللقب الساخر فضلا على بعده الكوميدي، يجذب الانتباه، وهو يندرج في التحليل الأخير ضمن منظومة أدب السخرية أو الأدب الساخر الذي قد يحمل قدرا من الرمزية ويهدف إلى إيصال رسالة ذات مضمون محدد.
ولعل من أبرز الشخصيات الساخرة في تراثنا العربي الحافل بألوان من الأدب الساخر هو (جحا) ، ومن قبله كان الجاحظ يقدم في كتبه نماذج من الأدب الساخر ، خاصة في كتابه (البخلاء) كما تتضمن بعض كتب التراث مثل (العقد الفريد) و( عيون الأخبار) مجموعة من المشاهد الساخرة ، وكذلك مقامات بديع الزمان الهمذاني ومقامات الحريري.
وتتشكل السخرية من عدة أفعال سواء شفاهية أم مكتوبة، فعلى المستوى المشهدي الشفوي يجيء تقليد الحركات أو الأصوات بشكل مبالغ فيه أو غير حقيقي قصد السخرية، ويتحول هذا التقليد إلى كتابة مجموعة من المشاهد والمواقف، وقد تأتي عن طريق الهجاء خاصة في الشعر أو الذم بقصد المدح أو العكس، كما تأتي عبر نقد بعض الوقائع الاجتماعية السلبية، ولا يقتصر الأدب الساخر على الكتابة وحدها بل على التصوير والفن التشكيلي والكاريكاتير والمسرح والسينما بل والأغنية الساخرة الضاحكة كما في الأفلام الكوميدية العربية والأجنبية .
مواقف إنسانية:
لأن هذا الأدب ينتج عن جملة من المواقف الإنسانية، فقد ارتبط بالتواصل والتفاعل الإنساني، وارتبط بحركة الشارع وحيويته، وبالمقاهي، وبالمجالس، وبالتجمعات في الأندية والمنتديات، لكن مع تسارع عصر التقنية وابتكار بعض المخترعات مثل أجهزة الموبايل، ووجود الإنترنت، جعل الاتجاه إلى التباعد الإنساني واللجوء لما هو فردي ظاهرة تتنامى بشكل أو بآخر، وهو ما يقلل من حضور وتطور هذا النوع من الأدب الذي يتشكل من عدد من الأنواع، كالأمثلة الغريبة، والتعليقات الضاحكة، والحكايات العجائبية ، والنكتة، وكوميديا الموقف .
ويتخذ الأدب الساخر أشكالاً متنوعة تتراوح ما بين النكات والطرائف (وهي الأكثر)، وما بين الشعر والمقالة والكاريكاتير والمسرحية والسينما وكذلك الكتب وغيرها من الفنون التي تطاوع بني البشر لتكون متنفساً لهم. رغم صعوبته وجديته، فالبعض يظن أن الأدب الساخر هو لإضحاك الناس ليس إلا ولكنه ليس كذلك فحسب، فهو يوظف الضحك لنقد الواقع من أجل تشخيصه والبحث عن علاج ناجع له، وقد برز عالميا في هذا الفن الأديب الروسي (تشيخوف) الذي اتخذ من القصص القصيرة والمسرحيات مادة دسمة له تناول فيها الأوضاع الاجتماعية بالنقد والسخرية ، ويأتي الأديب الأمريكي أمبروز بيرس في القرن التاسع عشر كواحد من أشهر الأدباء الساخرين عبر مقالاته التي تنشرها الصحف الأمريكية .
كوميديا سوداء:
وفي العصر الحديث عادت الكتابات الساخرة والكوميديا السوداء للظهور بقوة في العالم العربي وبرزت أسماء سطرت حروفها على رقصات المعاناة وعلى ضحكات الجماهير التي تدير ظهرها لواقعها التعيس، ومن هؤلاء الأدباء - على سبيل المثال لا الحصر - طه حسين (عميد الأدب العربي) الذي اشتهر بنقده الساخر واللاذع عبر مقالاته وكتبه الكثيرة، وأحمد أمين، ومحمد الماغوط، وجلال عامر الذي رسم (البسمة الباكية) على الوجوه كما يقال عنه، ومحمود السعدني (الولد الشقي) وهو من رواد الكتابة الساخرة في العالم العربي، والشاعر أحمد مطر، وأحمد فؤاد نجم، والأديب الفلسطيني إميل حبيبي ، وأحمد رجب وله مقالات يومية بعنوان : مقالات يومية بعنوان (نص كلمة)، وأحمد بهجت، والكاتب السوداني جعفر عباس الذي غلب على كتاباته الطابع الساخر.
، وفي الأدب السعودي الحديث برزت الأسماء الأدبية التي تعاطت مع السخرية والنقد في مصنفاتها الأدبية أمثال الشاعر السعودي محمد حسن عواد، والشاعر حمزة شحاته، وحسين سرحان وحسن صيرفي، ويعد أحمد قنديل علامة فارقة في تطور الأسلوب الساخر في الشعر السعودي. فهو يعد بحق رائد الشعر الساخر في المملكة للتنوع والكثرة في إنتاجه الساخر بشكل لم يقاربه أي شاعر آخر حتى يومنا هذا، كما جاء الأديب الدكتور غازي القصيبي بمؤلفات وقصائد شعرية ومقالات صحفية ساخرة، وغيرهم الكثير كناصر الزهراني وعبدالمحسن حليت.
ومن أمثلة المؤلفات التي تندرج في سياق الأدب الساخر: (رحلات ابن عطوطة) لمحمود السعدني، (اعمل عبيط) لجمال الشاعر، و(الأغاني للأرجباني) لأحمد رجب، و(مصر على كف عفريت) لجلال عامر، و( دعوة للابتسام) لأنيس منصور، و" تاكسي: حواديت المشاوير" لخالد الخميسي، و( كرسي في الكلوب) و( فارس فارس) لغسان كنفاني، و( صندوق الدنيا) لإبراهيم عبدالقادر المازني، و( زغازيغ) لأحمد خالد توفيق، و( تحتمس 400 بشرطة) لأحمد بهجت وغيرهم.
إن السخرية هي طريقة من طرق التعبير، يستعمل فيها الشخص ألفاظاً تقلب المعنى إلى عكس ما يقصده المتكلم حقيقة. وهي النقد والنقد اللاذع بصورة الضحك والاستهزاء، وغرض الساخر هو النقد أولاً والإضحاك ثانياً، وهو تصوير وضع أو شخصية أو جهة أو طرف أو تيار تصويرا مضحكا: إما بوضعه في صورة مضحكة بواسطة التشويه – الذي لا يصل إلى حد الإيلام – أو تكبير العيوب الأخلاقية والسلوكية أو العضوية أو الحركية أو العقلية أو ما فيه من عيوب ونواقص حين سلوكه مع المجتمع، وكل ذلك بطريقة خاصة غير مباشرة. وعندما توظف بنية عدوانية جدا باستعمال السب والشتم والمس بخلقة الشخص من حيث اللون أو العرق تسمى تهكما، وهي على الرغم من إثارتها للضحك والكوميديا قد تكون مشحونة بالألم، وينطبق عليها قول أبي الطيب المتنبي:" ضحك كالبكا" فالهدف ربما يكون أبعد من الأدب الساخر وأعمق من الضحك.
إشارات:
https://ar.m.wikipedia.org/wiki/% 9
https://www.al-jazirah.com/2020/20200417/cm2.htm

