العلوم العربية ودورها العالمي
د. أحمد عبدالقادر المهندس
جاءت بداية نهضة أوروبا في أعقاب اطلاعهم على تراث العرب العلمي والطبي والفكري وأخذ يساورهم شعور كبير بالفشل والعجز عن مجاراة التيار الفكري القوي للعرب والمسلمين ، وكاد يثبت في أذهان الغربيين أنه لا سبيل إلى مضاهاة العرب ، وقد صور هذه الحالة النفسية تصويرا جيدا الشاعر الإيطالي (بترارك) عندما خاطب بني قومه قائلا:
" ماذا ! لقد استطاع (شيشرون) أن يكون خطيبا بعد (ديموستين) واستطاع (فيرجيل) أن يكون شاعرا بعد (هوميروس) ثم بعد هؤلاء العرب لا يسمح لأحد بالكتابة؟ لقد جارينا اليونان غالبا وتجاوزناهم أحيانا، ثم تقولون: إننا لا نستطيع الوصول إلى شأو العرب، يا للخيال! با لعبقرية إيطاليا الغافية"
ولعل أكثر المستشرقين تعريفا بعلوم العرب هو (جورج ساتون) وهو صاحب المقدمة المشهورة في تاريخ العلم، بالإضافة إلى ابحاثه الأخرى المنشورة في مختلف المجلات العلمية بشان العلوم العربية الإسلامية، وسارتون هو أول من وضع العلم العربي على خريطة العلم العام، وأشاد بإنجاز العرب العلمي.
ويشير جورج ساتون إلى عمق تأثير العرب في الحضارة الغربية واتساع آفاقه بقوله :" لولا أعمال العلماء العرب لاضطر علماء النهضة الأوروبية أن يبدأوا من حيث بدأ هؤلاء ولتأخر سير المدنية عدة قرون "
مكانة العرب العلمية:
من مظاهر الاعتراف بمكانة العرب العلمية أن المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو قرر في دورته الثانية عشرة التي عقدت في عام 1962 م أن تتبنى الشعبة القومية لليونسكو في مصر مشروع دراسة لأثر العرب والحضارة الإسلامية في النهضة الأوروبية، تعد باللغة العربية، ويترجم بعد ذلك إلى بعض اللغات الرئيسية، وقد وضعت الدراسة بالفعل ونشرت في عام 1970م في كتاب بعنوان:" أثر العرب والإسلام في النهضة الأوروبية" .
ومن مظاهر الاعتراف قيام جامعة حلب بعمل رائد وهو تأسيس أول معهد من نوعه لدراسة تاريخ العلوم العربية، وكذلك اضطلاع عدد من الجامعات والمعاهد الأكاديمية في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وتركيا بتدريس تاريخ العلوم العربية.
أثر الحضارة العربية:
لقد بذل كثير من الكتاب والمؤلفين العرب جهودا كبيرة من أجل إثبات أثر الحضارة العربية في الحضارة الغربية، لكن هذه الجهود أو بعضها جهود ضائعة، فلقد كان من الأفضل أن تبذل في التعمق في دقائق العلوم العربية ونشر المخطوطات أو توضيح ما غمض من جزئيات تلك العلوم.
إن أثر الحضارة العربية لا يحتاج إلى كثير إثبات ، إنه واضح في ميادين كثيرة ، وفي مقدمة هذه الميادين اللغات الأوروبية، ويوجد في هذه اللغات عدد كبير من الكلمات ذات الأصول العربية، وخاصة في اللغات الإسبانية والبرتغالية والفرنسية والإنجليزية، وكذلك مجالات العلوم البحتة والتطبيقية. عن المئات من الكتب العربية التي ترجمت إلى اللاتينية هي مؤشر واضح إلى حضانة العلم العربي للحضارة الأوروبية في بداية نشأتها.
كما أن الأمر الواضح بالنسبة للكتب العربية التي استخدمت كتبا مدرسية في مدارس أوروبا ومعاهدها خلال قرون عدة. ويكفي أن نذكر على سبيل المثال أن كتاب (القانون في الطب) لابن سينا كان هو الكتاب المدرسي الأول لتعليم الطب في المعاهد الأوروبية، وقد ظهرت من هذا الكتاب خمس عشرة طبعة لاتينية خلال الثلاثين سنة الأخيرة من القرن الخامس عشر الميلادي.
كيف يكون الجهد مثمرًا؟
إذا أريد للجهود التي تبذل في دراسة العلم العربي وأثره أن تكون مثمرة، فينبغي أن تستهدف أمرين هامين هما:
1- تفنيد الآراء والنظريات القديمة الخاطئة بشأن العلم، وخاصة ما يمس منها تاريخ العلم العربي الإسلامي.
2- توجيه تلك الجهود وجهتها الصحيحة المثمرة.
وبالنسبة للأمر الأول فإن تاريخ العلم لا يزال يعاني من نظرة تقليدية خاطئة، تنتشر بشكل كبير في الدول الغربية ولعل أخطر نظرة تقليدية هي أن تاريخ العلم قد مر في مرحلتين أساسيتين: الأول: مرحلة الإغريق، والثانية : مرحلة الغرب بعد عصر النهضة الأوروبية، ومن شأن هذه النظرة التي سيطرت على عقول الغربيين طوال قرون أن تسلب شعوب الشرق القديمة فضلهما على العلم الإغريقي كما أنها تطمس تماما مرحلة العلم العربي.
ومن النظرات التقليدية الخاطئة أيضا التي تشوه تاريخ العلم نظرة الازدراء التي أشاعها علماء النهضة للعصور الوسطى بما فيها عصور النهضة العربية الإسلامية التي أشاروا لها بالعصور المظلمة .
كما قسم الأأوربيون تاريخ العلم العربي إلى ثلاث مراحل أساسية وهي:
1- مرحلة الترجمة من 750 إلى 850 م تقريبا
2- مرحلة الازدهار : من 850 إلى 1100م تقريبا
3- مرحلة الانحطاط : بعد 1100م
وهذه النظرة تغفل فترتين في غاية الأهمية لفهم تاريخ العلم العربي، هما:
- الفترة الأولى: فترة ما قبل الإسلام
- الفترة الثانية: فترة صدر الإسلام والدولة الأموية
والواقع أنه لولا اتصالات العرب بحضارات غيرهم من الأمم خلال هاتين الفترتين ونشاطهم الثقافي لما أقبلوا بعد ذلك على الترجمة وغيرها من مظاهر النشاط الفكري والعلمي، كما أن الأستاذ فؤاد سيزكين قد بين أن الفترة التالية لعام 1100م تعد من االفترات المثمرة والخصبة في تاريخ العلم العربي ، حيث إنها الفترة التي اكتشف فيها ابن النفيس الدورة الدموية، وأثار فيها لسان الدين ابن الخطيب قضية العدوى في الطب.
لكن كيف نوجه الجهود لدراسة الحضارة العربية الإسلامية؟
إن أكثر اهتمام المعنيين بتاريخ العلم العربي ينصرف إلى دراسة تأثيرها في أوروبا وأقله ينصرف إلى دراسته بوصفه مظهرا من مظاهر الحضارة العربية الإسلامية.
وتعليقا على هذا يقول الدكتور عبدالحميد صبرا أستاذ تاريخ العلوم عند العرب بجامعة هارفارد:" هناك إذن مسألة كبرى لا مفر لمؤرخ العلم العربي من مواجهتها، هي مسألة وضع الحركة العلمية والقائمين بها في الحضارة الإسلامية : ما هو الدور الذي قام به العلماء في المجتمع الإسلامي؟ هل اختلف الدور من وقت لآخر ، ومن مكان لآخر، ما مكانة العلم في هذا المجتمع؟ وما هي الحاجات التي كان يعتقد أن بإمكانه إرضاءها؟ وما وجوه التأثير والتأثر ومداهما بين المشتغلين بالعلوم من ناحية، وغيرهم من فئات المفكرين الإسلاميين كالفلاسفة والمتكلمين والفقهاء من ناحية أخرى؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة التي طرحها الدكتور صبرا ، يمكن أن توضح مظاهر العلم وعلاقته بالمجتمع في الحضارة العربية الإسلامية. وتحتاج الإجابة على هذه الأسئلة إلى دراسات وأبحاث للتعمق في العلوم العربية، وإمكانية مقارنتها بالعلوم العالمية، والإسهام بعد ذلك في الحضارة العالمية على أساس قوي، بحيث تنطلق العلوم العربية المعاصرة من جذور قوية مع إلمام مستمر بالعلوم العالمية والإضافة إليها بقدر الإمكان.

