تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الدكتور سعد الثقفي: الشعر العربي علاقته قديمة بعلم الكيمياء!!

الدكتور سعد الثقفي: الشعر العربي علاقته قديمة بعلم الكيمياء!!

حوار خاص

سعد الحامدي الثقفي، إعلامي وشاعر وناقد سعودي، عمل بالصحافة السعودية عبر صحيفة المدينة ثم جريدة الرياض، اشتغل بالنقد الأدبي و نشر له أكثر من خمسين دراسة انطباعية عن المشهد الثقافي السعودي جمع بعضها في كتاب بعنوان:مدارات النص صادر عن نادي الجوف الأدبي ومؤسسة الانتشار العربي- بيروت، كما أصدر في نفس العام مجموعة شعرية غير بعيدا بعنوان: بعض وجع صادرة عن نادي الباحة الأدبي بالتعاون مع مؤسسة الانتشار العربي، ولدية كتاب في الكيمياء بعنوان الكيمياء عبر العصور قام المؤلف بالاستفادة من خبرته في الشعر بحيث فكك نصوصا قديمة كتبت فيها الكيمياء شعرا، فحلل النصوص الشعرية وحققها وكتب معادلاتها الكيميائية الموزونة.

وإذا قلنا أن هناك علاقة وثيقة بين الشعر والكيمياء فقد يتخيل البعض استحالة وجود هذه العلاقة، لكن الدكتور سعد الحامدي الثقفي، الشاعر والناقد السعودي يثبت أن تأريخ الكيمياء عند العرب كتب شعرا كما هو الحال عند الرازي والطغرائي وغيرهم.

الحوار التالي يناقش مع الدكتور هذه العلاقة بين الشعر و الكيمياء وعدد من القضايا الثقافية.

*ربما يتبادر إلى الذهن أن العلاقة بين الكيمياء والشعر لكنك أثبتها، فهل تجلي لنا تلك العلاقة؟

- هناك أكثر من نقطة تجعلني أقف على هذا السؤال الجميل كثيرا، فالشعر أولا هو عبارة عن وصف دقيق للأشياء، وفيه اختزال وبساطة، وخيال ورأي وفلسفة وتمحيص ودقة، وكذلك الكيمياء. الكيمياء تنظر إلى جوهر الأشياء وكذلك الشعر، الكيمياء علم معناه: لذة الأشياء، فكيمياء السعادة مثلا هي لذة السعادة، والشعر كذلك لذة الأشياء، وجوهرها وعنفوانها، هذا من ناحية، وقديما كانت العرب تكتب كل شيء شعرا، وقد اطلعت على تأريخ الكيمياء عند العرب؛ فوجدته كتب شعرا كما هو الحال عند يزيد بن معاوية والرازي والطغرائي وغيرهم، بل إن كل العلوم قديما كانت تكتب شعرا على هيئة نظم، ليسهل حفظه، والشعر خدين الكيمياء وحافظها. وهناك العشرات من الشعراء في العربية وغيرها هم كيميائيون، ولو عددتهم لك هنا لطال بنا المقام. أعترف لك أن الكيمياء قد فتحت آفاقي ومخيلتي لنصوص لولا تقدمي في الكيمياء ما كتبتها، فالتفاعلات هي قصيدة بكر، قصيدة جديدة وجميلة، والقصيدة هي كذلك تفاعلات بعضها سريع وبعضها بطيء وبعضها حارق وبعضها ذو رائحة زكية وبعضها محزن ومؤلم وهكذا القصائد يا صديقي.

*هل هناك معادلات كيميائية تم صياغتها شعريا؟

- لم أفهم سؤالك، ولكني كما قلت لك اطلعت على بعض التفاعلات قديما وقد كتبها أصحابها بأبيات موزونة ومقفاه، ولك أن تطلع على تأريخ الكيمياء عند العرب وهناك أكثر من كتاب لعل أبرزها كتاب حميد الطائي من العراق. وكما أن القصيدة العمودية موزونة ومقفاه، فكذلك المعادلة الكيميائية تتكون من شقين متفاعلات ونواتج، ويجب أن يتساوى طرفا المعادلة، وكذلك قصيدة العمود هناك صدر وعجز ينتميان لبحر واحد، وليكن بحر الكامل مثال الذي يتكون من متفاعلن ثلاث في الصدر ومثلها في العجز. وهناك قصيدة التفعيلة التي تشبه بامتياز تفاعلات الشقوق الحرة، وهناك قصيدة النثر التي تشبه تماما الانيونات والكتيونات وهكذا.. بل إنني أكاد أجزم أن المعادلة الكيميائية وهي اختراع عربي على يد العلماء العرب، قد اشتقت من تشطير البيت العربي في قصيدة العمود.

* ما هي قضية الشعر الرئيسية؟

- الشعر فم الوجود كما صدح الشابي يوما (يا شعر أنت فم الوجود)، الشعر مفتاح الحياة، وبدؤها ومنتهاها، هو ليس كلاما عابرا، ولا نظما مناسباتيا، الشعر قضية كونية وجودية، يرتبط بحياة الانسان، ومن لا يعي الشعر من وجهة ّ نظري، يفتقد إلى الكثير.إنه يشذب النفوس، ويعيدها نقية صافية، كاللوحة، وكالموسيقى بالضبط،، الشعر سيبقى شجرة وارفة الظلال نتفيء ظلالها كلما ضربتنا شمس الحياة بهجيرها الموجع. 

*عندما جاءت قصيدة النثر وما بعد قصيدة النثر، لم يعد هناك شيء اسمه شعر ولم يعد هناك شيء اسمه قصة، إذن كيف يمكن الفصل بين تلك الأجناس الأدبية؟

- كلا يا صديقي، الشعر هو الشعر، طريقة العمود والتفعيلة والنثر ما هي إلا وعاء، القصيدة الحقيقية ستكون موجودة، وما هذه الأنماط إلا  أوعية، هب أن شعرا يابانيا مثل الهايكو مثلا، لا يصلح أن يكون شعرا لأنه لم يكتب بطريقتنا في العربية؛ لا الشعر هو الشعر، وهو شيء مني ومنك، قطعة منا، لا فائدة من تصنيفه بناء على الطريقة التي كتب بها، الطريقة هي وعاء. والوعاء لا يصنع الشعر، فالطنجرة لا تصنع الطبخة الجيدة المذاق، وإنما يصنعها الطباخ بنكهته وبملحه أليس كذلك؟

*من يخطئ في كتابة اللغة العربية يسيء للذوق العام، هل تشرح لنا أكثر تلك الجملة العميقة؟

اللغة أية لغة كانت هي مستويات ولكن هناك الحد الأدنى من اللغة، وفي اللغة الإنجليزية مثال هناك خمسة آلاف مفردة من لا يعيها كتابة ونطقا، فلا حظ له في اللغة.

 وكذلك اللغة العربية، من لا يحسن الكتابة، بحدها الأبسط ويقرأها بلا أخطاء؛ فهو يسيء لها، هناك الأجرومية مثلا، وبعض الكتب البسيطة التي من الممكن أن يتقن من خلالها المرء اللغة العربية، لكن من يلبس ثوبا جميلا، وينطق اللغة الإنجليزية بشكل ممتاز، بينما يحطم اللغة العربية ويهملها كتابة ونطقا؛ فهو قبيح عندي سيء، أمقته حتى لو كان علما من الأعلام. المسألة بالنسبة لي شخصية بحتة؛ فمن يسيء للغتي يسيء لي بالدرجة الأولى.

*وما السبيل إلى التخلص من الأخطاء الإملائية والنحوية؟

- الممارسة، والتعلم، والتعود على الكتابة بلا أخطاء، قلت لك: لا نريد لغة صعبة ولكن نريد لغة سهلة لا يخطئ فيها

أحد، والسبيل إلى ذلك طويل جدا يبدأ من البلدية التي تحرص على لوحات الشارع بلا أخطاء، ووسائل الاعلام، والعربي الحقيقي الذي يصبر على تعلمها، تعلمها يبدأ من قاعة الدروس ولا ينتهي، باختصار إذا احترمنا لغتنا سوف نحترم تراثنا وحضارتنا. من يعي هذا يا صديقي.

*لديك اهتمام خاص بقراءة الأدب السعودي في مرحلة ما بعد التسعينيات، فلماذا تلك الفترة تحديدا؟

- الحقيقة كان اهتمامي منصبا على المشهد الشعري السعودي برمته وقد كتبت عنه كثيرا وحاورت في القسم الثقافي بجريدة الرياض على مدى ثلاثة عقود كثيرا من الأدباء السعوديين. لكن القطيعة من جانب الأكاديميين، هذا من جهة، وانتمائي لهذه المرحلة من جهة أخرى جعلني أصب اهتمامي عليها؛ ولقد أنجزت كتابين نقديين أحدهما طبعه مشكورا النادي الأدبي في الجوف بالتعاون مع مؤسسة الانتشار العربي في بيروت. والأخر في طور الطباعة. وبعد أن فرغت من الدكتوراه سوف يكون لي التفاتة قوية نحو النقد.

*من هي الفئة المصابة بوهم الكتابة ووهم المعرفة؟

- الكتابة ليست ترفا، الكتابة هم، إنها تملأ عليك وعيك وذاكرتك وتصبح هما يثقل رأسك ولا ترتاح إلا بلفظها على الورق. الكتابة ليست لمن يظن أنه يكتب لكي يقال عنه كاتبا، المعرفة حق مشاع للجميع وكذلك الكتابة، ولكن الذي يبقى من هؤلاء الكتاب وأثرهم يكاد لا يذكر. فليس كل من قرأ كتب، وليس كل من عرف شيئا أصبح كاتبا، الكتابة فن وموهبة، يهبها الله من يشاء، ومن يريد أن يصبح كاتبا بين يوم وليلة؛ فمصيره إلى زوال. إنني أحزن على أولئك الذين يسودون بياض الصحف بكتاباتهم الهزيلة، وأحزن أكثر حين يسبق أسم أحدهم مفردة كاتب أو شاعر أو قاص، وكأنه غير واثق من نفسه في وسائل التواصل الاجتماعي حتى يعرف بنفسه.

*الأمسيات الثقافية والأدبية، هل تعد الرافد الأول الحداث حراك في المشهد الثقافي؟

- المشهد الثقافي هو مؤشر نسبي يتأثر ويؤثر في الاحداث. والحياه العصرية الآن تتأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، وتتأثر بعدم وجود ما يلهب حماس الأديب، ليس هناك ما يبهج، فقد بات الأديب يلهث وراء لقمة العيش، ولم يعد الابداع همه الأول، ومن هنا تنتكس الثقافة، ناهيك عن والدة مثقفين خدج لا يعون الكتابة ولا الابداع جيدا، وهناك استسهال في قبول نتاجهم الادبي، وهذا كله أثر على المشهد الثقافي العربي، هناك حرب ما تدار باحتراف للنيل من الثقافة العربية على كافة المستويات؛ لأن موت ثقافة أمة يعني زوالها، وهذا الذي يحدث في العالم العربي.

والأمسيات الثقافية ستؤطر لثقافة بلهاء غبية طالما أنها تقام من مثقفين ناقصين الموهبة والثقافة، فكيف نطلب شيئا من امرئ لا يملكه.


الدكتور سعد الثقفي: الشعر العربي علاقته قديمة بعلم الكيمياء!!
Ehsan Logo