كتاب "مع عاهل الجزيرة العربية".. الملك المؤسس في كتابات عباس محمود العقاد
حجاج سلامة
جمع لنا كتاب "مع عاهل الجزيرة العربية"، الكثير من كتابات وأقوال الكاتب الكبير عباس محمود العقاد، عن المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود، كما روت لنا صفحات الكتاب تفاصيل زيارة "العقاد" للمملكة، وما قاله في وصف الملك المؤسس.
الكتاب الذي حرره عامر العقاد، وقدّم له عبدالرحمن عزام، والصادر عن منشورات المكتبة العصرية بضاحية صيدا في العاصمة اللبنانية بيروت، احتوى على صفحات من أقوال الملك المؤسس طيب الله ثراه، وقدّم جوانب من سيرته ووصفا لشخصيته العظيمة.
وقد أهدى مُحرر الكتاب عامر العقاد، صفحات هذا المُؤلَفْ إلى "روح العظيم مؤسس المملكة العربية السعودية، وباعث النهضة في جزيرة العرب، جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود"، حيث جاء في نص الإهداء:
"أرفع هذه الصفحات التي سجلها قلم المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ عباس محمود العقاد ناثراً فيها ذكرياته وخواطره بعد زيارته للعاهل الراحل.. صفحات يجتمع فيها نمطان من سمو النفس والمقدرة على البناء".
وفي تقديمه للكتاب، والذي جاء بعنوان "ما قبل التقديم"، قال الكاتب عبدالرحمن عزام:
"ضاع ملكه وملك آبائه وشرد من بلاده .. وكان يومها في ريعان شبابه... لم تهز الهزيمة ايمانه ولم يؤثر الحرمان في تقاليده بان يكرم ضيفه بكل ما يستطيع .. حتى قبل انه رهن عباءته وهو في الكويت ليقدم طعاما يليق بضيف زاره فجأة...
وقد نصح أهل الخبرة والتجربة هذا الشاب أن يقبل الهزيمة ولا يعاند في الامر الواقع قالوا له : ان الشجاعة ليست ان تحاول المستحيل وانما هي أن تحاول الممكن .. ولكن الشاب رفض النصيحة وسار على رأس قوة من نحو اربعين رجلا مؤمنا ليقاتل جيش امارة ورجال قبائل اكثر عددا واقوى سلاحا واصيب اصابات قاتلة في معارك عدة قادها بنفسه .. ولكن الرصاص لم يصب ايمانه بحقه وحق آبائه الضائع بل اضاف اليه اضافات كبيرة جمعت اكثر ارجاء الجزيرة العربية في اطار من الامن والاستقرار والرخاء والوحدة التي فقدتها منذ انتهاء عهد الخلفاء الراشدين الذين كان لعبد العزيز فيهم أسوة حسنة وقدوة سلفية طيبة تمسك بها واستر شد وبني حكمه على أساسها .
وقد ذاق هذا الرجل العظيم مرارة الجوع والحرمان ومع ذلك لم يتسلل الحقد الى قلبه ثم رأى الذهب والفضة تحت قدميه فلم يغيره بريقهما وذاق الهزيمة فلم تضعف عزيمته ثم ذاق النصر فلم يسكر به.
كان عنيداً مع الاقوياء متواضعاً مع الضعفاء، ولكنه مع عناده كان يسمع الرأي الآخر، فاذا اقتنع به رجع اليه لانه انخذ من الحق والشريعة إماماً وحكماً وكان يؤمن أن الاقوياء هم الذين يرجعون عن اخطائهم والضعفاء هم الذين يتمسكون بها.
كان عبد العزيز عدة رجال في رجل واحد، ولقد صدرت عشرات الكتب بمختلف اللغات تتحدث عن جوانب شخصيته ولا شك ان المكتبات ستستقبل عدة كتب اخرى تتحدث عن تلك الشخصية النادرة ... فان التاريخ الكامل لها لم يكتب بعد ... وهذا الكتاب يقدم لنا بعض الصور التي التقطها كاتب العبقريات الاسلامية عباس محمود العقاد لعاهل الجزيرة العربية ومؤسس الدولة السعودية وباعث نهضتها الجديدة ومفجر طاقاتها البشرية والمادية، فقد عرف العقاد عبد العزيز فلمس جوانب من عبقريته الفطرية التي اجمع مؤرخي شخصيات هذا العصر على انها من اعظم العبقريات السياسية والاصلاحية التي ظهرت فيه.
وقد أثرت شخصية الملك عبد العزيز في العقاد فصور جوانب منها تصويرا صادقا في هذا الكتاب".
وقد جاء هذا الكتاب بمثابة دراسة عن رحلة العقاد - رحمه الله - الى المملكة العربية السعودية، وما سجله بقلمه العملاق من انطباعات في نفسه بعد مقابلة العاهل الراحل جلالة الملك عبد العزيز بن سعود في عام 1946، وما رآه وسمعه من صراحته ودوام سهره على شئون شعبه وشئون ضيوفه، وكذلك ما لمسه من السادة الأمراء ابنائه النجباء، وما دار بينه وبينهم من احاديث في التاريخ والأدب خلال الاقامة أو خلال العودة بصحبة والدهم العظيم على متن المحروسة ( يوم زيارة الملك المؤسس لمصر في ذلك العام.
ونطالع عبر صفحات الكتاب بعض ما قاله عباس محمود العقاد عن الملك عبدالعزيز بن سعود، حيث جاء في مقدمة الكتاب على لسان العقاد:
"ان ابن سعود من أولئك الزعماء الذين يراهم المتفرسون المتوسمون فلا يحارون في أسباب زعامتهم وعظمتهم ولا يجدون أنفسهم مضطرين أن يسالوا :لماذا كان هؤلاء زعماء ؟ لأن الايمان باستحقاق هؤلاء منزلة الزعامة في أقوامهم اسهل كثيرا من الشك في ذلك الإستحقاق".
ويوضح لنا الكتاب كيف كانت شخصية الملك المؤسس – رحمه الله – شخصية بينة المعالم واضحة لا تختلط بغيرها فهي تظهر دائما بسمات خاصة فيها. ولا يختلف اثنان في انها من تلك الشخصيات التي يعرف الناس فيها ذلك النمط الصانع للتاريخ ، أولئك الذين تقف شخصياتهم لا تطغي عليها البيئة فتدغمها في غيرها ، وإنما تحتفظ بكيانها المستقل لأن لها خصائص وعلامات تنجيها من الفناء في الشخصيات الأخرى .
وكيف كان جلالته "علماً مفرداً في صفاته كما كان في بنيانه الوثيق المكين علما مفردا كذلك. فهو طويل القامة . ضخم الجسم سامق البنيان ، مرفوع الذرى، وقد ذكر أحد الذين أرخوا لسيرة جلالته أن طوله كان يبلغ ست أقدام وأربع بوصات، فهو إذن من اولئك العرب الممتازين بقوة التركيب ومتانة البناء وطول القامة وضخامة الجسم. له رأس كبير يناسب هذا البناء الشامخ، وجبين متسع ساطع وحاجبان أسودان يفصل بينهما بلج واضح، تحتهما عينان صافيتان متألقتان دعجاوان تشعان بالنور في حالة رضاه، وتنتقدان في حالة غضبه وعدم رضاء. أنف أشم وشارب يغطي وقضته، مفتر الثغر متهلل الوجه حسنه ، تزينه لحية خفيفة ، عريض المنكبين ، مثل الكفين، جليل المشاش يميل إلى البساطة في كل حياته ، كثير الصمت. أما اذا تكلم أطلب ودل على علم واسع بما يقول أو يتحدث فيه" .
وجاء من بين نصوص الكتاب أيضاً قول العقاد عن الملك المؤسس:
"إن جلالة الملك ابن سعود رجل عظيم. رجل عبقري، هذا ما أوحته إلى مطالعاتي الكثيرة، وان ما رأيناه من جلالته البارحة أوحى إلى بأنه ملك عظيم، سمح النفس، كريم".
ونختتم إطلالتنا على كتاب "مع عاهل الجزيرة العربية" بتلك الأحاديث والأقوال المختارة للراحل الكبير جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود، والتي جمعها لنا مُحرر الكتاب:
إنني والله لا أحب الا من أحب الله حبا خالصا من الشرك والبدع، وأنا والله لا أعمل إلا لأجل ذلك، ولا يهمني أن أكون ملكا أو فقيرا . والله ثم والله إني لأفضل أن أكون على رأس جبل، آكل من عشب الأرض وأعبد الله وحده، من أن أكون ملكا على سائر الدنيا وما فيها .
إنني أفخر لكل من يخدم الاسلام ويخدم المسلمين وأعتز بهم بل أخدمهم وأساعدهم وأؤيدهم ، انني أمقت كل من يحاول الدس على الدين وعلى المسلمين ولو كان من أسمى الناس مقاما وأعلاهم مكانة .
إنني أدعو المسلمين جميعا إلى عبادة الله وحده والرجوع للعمل بما كان عليه السلف الصالح، لأنه لا نجاة للمسلمين إلا بهذا، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعا إلى ما يحبه ويرضاه .
إن الاسلام هو الوسيلة لسعادة الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرةحسنة فلم يمنع الاسلام الناس من السعي في الأرض والعمل على كل ما يرفع شأن الملة .
إن تقدم المسلمين ونهوضهم هو من الأمور التي ما برحنا ندعو إليها إن شاء الله، ولا نهوض للمسلمين بغير الرجوع إلى دينهم والتمسك بعقيدتهم الصحيحة ، والاعتصام بحبل الله ، والطريق إلى ذلك واضح معبد لمن أراد سلوكه وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالتوحيد الخالي من الشرك والبدع، والعمل بما يأمرنا به الدين لأنه لا فائدة من قول بلا عمل .
والله ثم والله، إن العجوز القابعة في وكرها والتي لا تملك من الثياب إلا الاطمار البالية وهي تعبد الله وحده عبادة خالصة، هي أحب إلى قلبي من أي انسان بلغ من العظمة والشأن ما بلغ، اذا كان لا يؤمن بالله ايمانا صادقا خالصا ولا يعمل بما جاء في كتاب الله.
يُذكر أن العقاد كاتب مُكثر، متعدد الجوانب، واسع الآفاق، لم يدع شيئا مما يخطر على بال الأديب المفكر الا خاض فيه، وتناوله بالدرس والبحث وهذا الكتاب الذي بين ايدينا، يُبرز لنا جانبا من هذه الجوانب. فهو يصور العقاد رحّالة يجوس خلال ديار طالما هفت روحه اليها، وتاقت الى مقدساتها، وأعمل قلمه في الكتابة عن عباقرتها الذين اناروا الدنيا بعد أن سادها الظلام. وفي سنة ١٩٤٦ اتيح له الذهاب في وفد الى ارض الحجاز لمرافقه جلالة العاهل السعودي عبد العزيز آل سعود في زيارة قام بها لمصر، وكانت تلك مناسبة لم يفت العقاد ان يغتنمها فأكب في مقالات متتالية على وصف مشاهداته واحياء ذكريات تاريخية وادبية حفلت بها تلك الارض المقدسة. وقد يسرت له تلك الرحلة الاتصال عن كثب بعاهل الجزيرة العربية ومجالسته ومحادثته معرف كثيرا من مزاياه، ووقف على سر عبقريته في بناء دولة وتأسيس مُلك وطيد الاركان.

