تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

سياحة القوافي.. جولة في مواطن الشاعر عبدالله بن الدمينة

سياحة القوافي.. جولة في مواطن الشاعر عبدالله بن الدمينة

بقلم:الشاعر / سعود بن سعد آل سمرة


رحلة الشاعر العربي القديم في أكناف الزمان والمكان الذي تكون فيه ونما، محفوفة بتأثره بالبيئة المحيطة بحياته، لغته متوترة تطغى عليها أشواقه وأمانيه، وإحباطاته ونظرته الخاصة للحياة والوجود. تلونها معالم تلك البيئة وأسماءها التي يحن إليها عند هجرته أو يتذكر عند مرور لحظاته وأيام صباه وطفولته، حبه ومعاناته في المكان التي طواها الزمن.

تترد مشاعره نحوها بين نوى وإقتراب، وحضور في مخيلته أو لحظة فقد لعزيز كان يوما رفيقه يجوسانها معا أو أوبة بعد فراق طويل ليجدها أثرا دارسا أبلته دورات الزمن وقسوة السنون.

يتفاعل معها وبها عند الرحيل والإياب وما قاساه أو عاشه من حب وأمل أو آلام وجفاء.

شغف الشاعر بالمكان يتضح في تأمله في جماله ومن خلال مشاعره التي يبثها تجاهه بما يكن له من حب أو وجد يشرح فيها حالته الإنفعالية الناتجة عن رؤية جمالية ووجودية أو حدث يجري هو بطله أو جرى سلفا.

يمر الشاعر بأرض فيدعوه ما يعن له فيها إلى تذكر داره لمشابهة استدعتها قريحته فيسجلها شعرا.


حين قال ابن الدمينة:

أَلا يا صبا نجد لقد هجت من نجد

فهيج لي مسراك وجدا على وجد

إن هتفت ورقاء في رونق الضحى

على فنن غض النبات من الرند

بكيت كما يبكي الحزين صبابة

وذبت من الحزن المبرح والجهد

ألا هل من البين المفرق من بد

وهل لليال قد تسلفن من رد

دعته تلك اليمامة في موضع بكر من نجد بصوتها الطروب وهو في طريقه الطويل مسافرا مبتعدا لظروف أحاطت به فأدت إلى مفارقته الدار والأهل ومرابع أميم الحبيبة. شدت ورقاء فأثارت الشجون وحركت راكد المواجع في نفسه، دعته إلى استحضار الربوع التي أحب بعد أن ذكر قصة الورقاء والمكان الذي أذكا عاصفة العاطفة في روحه ينثر ماء قلبه شعرا ويصف حالته النفسية غريبا مقصا في الغياب والرحيل ذاكرا سويقة أو ساقة مقرونا بأيام سعده حولها ومشرب، ودان البارد كما عرف العذب في صباحات ومساء الورود يكمل.

وهل مثل أيامي بنعف سويقة

رواجِع أيام كما كن بالسعد

وهل أخواي  اليوم إن قلت عرجا

على الأثل من ودان والمشرب البرد

مقيمان حتى يقضيا لي لبانة

فيستوج با أجري ويستكملا حمدي

حين تشاغب مخيلته صورة أميم يداوي خاطره الموجوع بفيض شعره العذب الرقيق، يشير إلى موضع جمعهما نظرة خاطفة ربما رآها عن بعد واطمأن إليها دون أن تدري أو أشارت بايماءة له كان حياء العربي وخوف العذال سدا منيعا بينهما.

وما نطفة صهباء خالصة القذى

بحجلاء يجرى تحت نيق حبابها

سقاها من الأشراط ساق فأصبحت

تسيل مجارى سيلها و شعابها

ويوما آخر تفاجئه لحظة لم ينسها حين تجلت له من خدرها، تأملها تأمل الشاعر المتصوف العذري يتحرق شوقا إليها من مرصده العلي يرقبها فحسب.

ابن الدمينة شاعر "أبا السري" وجل شعره الأموي والعباس ويكنى مخضرم من العصرين نسيب

من البيض حوراء المدامع طفلة

يشوب بياض الكف منها خضابها

تبدت لنا من بين أستار قبة

كشمس تبدت حين زال سحابها

ويمضي في غوايته المحمومة بأميم شارعا لخياله باب الاجتهاد ليعطيها ما تستحق من وصف خفي بتشبيهها بغزال شارد مع جمع الغزلان في بطن وجرة لأن طيفها ألم به ورآها في صورة احدى الظباء في رحلة صيد فأحجم عن الصيد ذلك اليوم إكراما لأميم ومداراة لخاطرها ومعاتبا لها على الفرار منه رغم تأمينه لها.

وفى الجيرة الغادين

من بطن وجرة

غزال أحم المقلتين ربيب

فلا تحس بى أن الغريب

الذى نأى

ولكن من تنأين

عَنه غريب

وذات مساء وصل إلى تخوم حيها ينيخ وأصحابه الركاب بمكان قريب ينتظرونه وهو يتسلل إلى الربع في ليل شاهده نجم السماك الذي يتأخر ظهوره إلى وقت السحر الأخير.

طرقتك زينب والركاب مناخة

بين المخارم والندى يتصبب

بثَنية العلمين وهنا بعد ما

خفق السماك وعأرضته العقرب

هو مولع بذكر المواضع التي تسكنها الحبيبه يتذكرها من خلال رسم أسماء تلك الأماكن في قصائده، لقد كانت نحلة الشعراء ذلك الزمن لكنه زاد وأجاد.

خليلى روحا بالهجين فسلما

على الخيم أو مرا بذ العشرات

وقيلا بنا فى ظلهـن ورميا

ذراهن رمى المحرم الجمرات

وأما حزوى فهو جبل عنده مورد ماء لقومه ما يزال حتى الآن يعرف بهذا الاسم في ظهر قرب جبل الرحل المعروف.

ردا ماء حزوى فانشحا نضوتيكما

على حين يخلى ماء حزوى رقيبها

وسوفا الثرى حتى يحلىء عنكما

غليل الصدى برد الحياض وطيبها

ولأن الشاعر إنسان يتأثر بما حوله فهذا أبا السري يسمع إلى أعرابية حزينة تشدو بأمانيها غناء ذات يوم فيدعوه هذا الصوت إلى تخليد أمنيتها وحزنها ويبكي لبكاها.

وما وجد أعرابية

قذفت بها

صروف النوى

من حيث لم تك ظنت

تمنت أحالِيب الرعاء وخيمة

بنجد فلم يقدر لها ما تمنت

صاحب أميم أبا السري هو عبدالله بن عبيد الله بن تيم اللات بن عامر بن مبشر بن أكلب لقبه ابن الدمينة، شاعر بدوي من مخضرمي العصرين الأموي والعباس، نادوه تلقيبا بأمه الدمينة بنت حذيفة من بني سلول وكنوه "أبا السري" جل شعره نسيب قال عن نفسه:

دعتك دواعى

حب سلمى كما دعا

على النشز

أخرى التاليات مهيب

فلبيك من داع دعا ولو أننى

صدى بين أحجار لظل يجيب

وقال عن نفسه أيضا.

حلفت لها أن قد

و جدت من الهوى

أخا الموت لا بدعا ولا متأشبا

وقد زعمت لى

ما فعلت فكيف لى

إذا كنت مردود الكلام مكذبا

الشعراء هم الشعراء في كل العصور، في تغزلهم بالحبيبة، لكن النساء لسن كالنساء في كل عصر.

خليلى روحا مصعدين فسلما

على نسوة بلعابدين ملاح

فإن أنتما كلمتماهن فاشكوا

دوى دنفا يزداد كل صباح

شاعر وفارس شجاع التحق بالجيش العباسي في اليمن، يقال إنه كان جميل الخلقة، فصيح اللسان، شديد الغيَرة. من شعراء الغزل العفيف العذري. وكل شعره يتغنى في البادية ومواردها ومناهلها ونسائمها العليلة. وفي شعره ما يدل على فصاحته وفطرته العذرية، قال:

أمنك أميم الدار غيرها البلى

وهيف بجولان التراب لعوب

بسابس لم يصبح ولم يمس ثاويا

بها بعد جد البين منك عريب

كان قتله غيلة في قرية العبلاء وهو ينشد الناس شعرا في سوقها الذي عد من أسواق العرب القديمة، كان ذلك عام 180هـ تقريبا.

تمنى الموت بديلا عن الغربة والتشرد قائلا:

فوا كبدي مما أحس من الهوى

إذا ما بدا برق من الليل يلمح

لئن كان هذا الدهر نأيا وغربة

عن الأهل والأوطان فالموت أروح

سجن بسجن تبالة مدة وقال في سجنه:

ذكرتك و الحداد يضرب قيده

على الساق من عوجاء

باد كعوبها

فقلت لراعى السجن

والسجن جامع

قبائل من شتى وشتى ذنوبها

تمكن من الهرب من سجنه واتجه إلى اليمن وحين أقبل على صنعاء قال يمدح اليمن وأهله:

هاجك البرق اليمانى موهنا

فـله نومك تغمير سهد

راح للعين بأعلى راحة

لجناب حبذا ذاك البلد

سياحة القوافي.. جولة في مواطن الشاعر عبدالله بن الدمينة
Ehsan Logo