الفسطاط .. وقصة دخول الإسلام إلى مصر
د. عبدالكريم بن إبراهيم السمك
جاء الفسطاط في موقعه الذي اختاره له عمرو بن العاص، في موقع السهل الذي يحاذي حصن بابليون، فقد عهد إلى كل من معاوية بن حديج الكوفي، وشريك بن سمى الغطيفي، وعمرو بن قحزم الغطفاني، وحيويل بن ناشرة المعافري، بتخطيط المعسكر الجديد – الفسطاط – أو المدينة، وذلك في سنة 21ه، وكان أول ما شرع فيه هو بناء المسجد المنسوب له – مسجد عمرو بن العاص- الذي يعد أحد معالم القاهرة الآن (ومن لم يزر مسجد عمرو بن العاص لم يزر مصر)، وأطلقوا على المدينة الجديدة اسم الفسطاط، والسبب في تسميتها بذلك، هو أن (عمرو) لما قصد الإسكندرية بعد فتح بابليون، قد أمر بنزع فسطاطه – خيمته -، فإذا فيها يمامة قد وضعت فيها بيضها، فأمر عمرو بعدم إزعاجها، وتركها في مكانها وقال «لقد تحرم منا بما تحرم».
وبعد فتح الإسكندرية، عاد المسلمون فقالوا: أين ننزل؟ فقيل لهم في فسطاط عمرو، فنزلوا فيه وغلب عليه اسم الفسطاط.
عمرو بن العاص وفتح مصر:
تعددت القصص والروايات التي ذكرتها كتب التاريخ الإسلامي في قصه فتح مصر، منها ما ذكره ابن عبدالحكم في كتابه «فتوح مصر والمغرب»، فنقل المؤرخون عنه رواية الفتح، والرواية الإسلامية التي أجمع المؤرخون عليها، هي أن عمرو بن العاص، كان قائد الجيش الإسلامي في الشام، عندما زارها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد اكتمل فتح الشام، فتقدم عمرو بمشروع فتح مصر، شارحاً له مكانة ومآثر مصر التاريخية، في قطع جذور الوجود الرومي من المنطقة، وعظم مكانتها في الجانب الاقتصادي والاستراتيجي بما يخدم رسالة
الإسلام وانتشاره في أفريقيا.
وقد استمع الخليفة عمر رضي الله عنه وهو المشهود له بالحكمة والإدارة، لمشروع عمرو، فأثنى على الفكرة ولكن طلب من عمرو كتمان الخبر، وذهب الخليفة يعد العدة للحملة على مصر، لأنه يعلم أن أية خسارة عسكرية في هذه الحملة، ستكون نكبة على المسلمين، وستنعكس على وجودهم في الشام، ولإدراكه بقدرة عمرو القيادية أمره بالاستعداد لقيادة حملة فتح مصر، وطلب عمرو بن العاص من الخليفة عمر أن يخصه بأربعة آلاف مقاتل، فخطب الخليفة عمر خطبة قال فيها: «ألا وإني قد وليت عليكم وقضيت الذي عليَّ في الذي ولاني الله من أمركم، فمن علم شيئاً ينبغي العمل به، فيبلغنا نعمل به إن شاء الله ولا قوة إلا بالله».
وعقد عمر الراية لعمرو في قيادته لفتح مصر على أربعة آلاف مقاتل، وقيل ثلاثة آلاف وخمسمائة، قائلاً له: سر وأنا مستخير الله في مسيرك، وسيأتيك كتابي سريعاً إن شاء الله، فإن أدركك كتابي الذي سيصلك قبل دخول مصر فلا تدخلها، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي فأمضي لوجهك واستعن بالله واستنصره.
كتاب الخليفة عمر للقائد عمرو:
وهنا نأتي لقصة كتاب الخليفة عمر إلى القائد عمرو الذي جرى حوله الكثير من الروايات، ومن ذلك أن الخليفة عمر بعد أن أرسل الجيش لفتح مصر؛ بقيادة عمرو بن العاص، أشار عثمان بن عفان على الخليفة بعدم استكمال الفتح؛ فنزل عمر على مشورة عثمان رضي الله عنهما، وكتب لعمرو بن العاص ليثنيه عن حملته على مصر، ووصل كتاب الخليفة قبل دخول عمرو مصر،ولكن عمرو كان قد حزم أمره على فتح مصر؛ فطلب عدم فتح الكتاب إلا عند حدود مصر،، وهكذا فتح عمرو الكتاب بعد دخوله لمصر سد باب الذرائع، فشاء الله أن يكون فتح مصر على يد هذا القائد العظيم، الذي جاء من وراء فتحه لمصر أسلمة مصر ومن ورائها أفريقيا.
مسيرة حملة فتح مصر:
اتجه ابن العاص في مسيرة الفتح عن طريق رفح ليلاً، حتى يتم له التكتم على حملته، كي لا يعلم أحد بها وحتى لا يصل خبرها إلى الروم، وكان ذلك في شهر (ذي القعدة سنة 18ه)، فتم له فتحها، ومنها قصد بلدة بلبيس، حيث كان فيها القائد الروماني «الأرطبون» الذي اشتهر بدهائه في الحروب ولكنه كان قد خسر الحروب في الشام، وذهب إلى بلبيس في مصر، وتم النصر لجيش المسلمين في مصر، وقتل القائد الرومي، وعندما علم الخليفة عمر بذلك، قال مقولة حفظتها لنا ذاكرة التاريخ الإسلامي، «لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب»، وكان القائد عمرو بن العاص، قد طلب مدداً من الخليفة عمر، فأمده الخليفة بأربعة آلاف مقاتل، وعلى رأس كل ألف قائد بألف رجل، كما كتب له عمر بقوله: أرسلت له أربعة آلاف، في أربعة قادة، وكل قائد منهم بألف مقاتل، والأربعة هم «الزبير بن العوام، والمقداد بن عمر، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد».
اتجه عمرو بعد فتح بلبيس إلى فتح عين شمس، وكان يقود الجيش الرومي القائد تيودور، وبمعيته عشرين ألف مقاتل، وقد فرح عمرو بخروجه من الحصن إلى سهل عين شمس ليواجههم في العراء، بخلاف ما إذا كانوا متحصنين في حصونهم، وقد تحقق لعمرو الانتصار على الرومان في هذه المعركة، ومن هذه المعركة انطلق عمرو تجاه حصن بابليون، حيث تم فتحه، وكان فيه القائد «قيرس» – المقوقس – نائب هرقل بداخل الحصن، فتم له فتحه بعد مفاوضات على تسليمه للمسلمين، وكان هرقل قد أدركته الوفاة سنة (20ه - 641م) وقد أصبح الطريق مفتوحاً أمام المسلمين في التوجه إلى الإسكندرية، حيث كان الرومان قد عززوا وجودهم فيها كآخر معقل لهم في مصر، حيث كان حصنها الكبير على صلة بالبحر، وفيه ما يقرب من خمسين ألف مقاتل من الرومان، وقد تم حصار الحصن وضربه بالمنجنيقات النارية، ولم يجد المقوقس بعد شدة الحصار وعجزه في الدفاع عن الحصن، إلا الرغبة في تسليم المدينة وذلك في «نوفمبر 641م)، وتم مع التسليم عقد الصلح بين عمرو والمقوقس، بحيث يكون هناك هدنة مدتها أحد عشر شهراً، وتنتهي في «سبتمبر سنة 642م»، وبفتح الإسكندرية يكون الوجود الرومي قد انتهي في مصر، بعد أن حكموها طيلة سبعة قرون؛ بعد حكم البطالمة لها منذ سنة «50 قبل الميلاد»، وأصبحت مصر بعد هذه السيادة، قاعدة انطلاق المسلمين لفتح ما وراء مصر جنوباً وغرباً، وتحرير الشمال الأفريقي.
مصر وإدارة ابن العاص لها:
بعد سقوط الإسكندرية التي تم بسقوطها سيادة الحكم الإسلامي على مصر، ذهب عمرو بن العاص في تنظيم الأمور الإدارية والأمنية، من خلال تعيين الأمراء والولاة على المناطق، وكان عمرو يرغب في جعل الإسكندرية عاصمة لحكمه، لكنه عندما استشار الخليفة عمر رضي الله عنه، بعد أن قدم له وصفاً دقيقاً عن المدينة، رفض أن تكون الإسكندرية عاصمة لإدارة وحكم البلاد، ونزل عمرو على رغبة عمر، فقصد موقع الفسطاط الذي سبق له أن نزل فيه، ومضى في بنائه ليكون قاعدة لحكمه.
عمرو بن العاص يصف مصر:
وقد وصف عمرو بن العاص مصر في رسالة كتبها للخليفة عمر رضي الله عنهما فقال: «مصر تربة غبراء، وشجرة خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر، يكتنفها جبل أغبر، ورمل أعفر، في وسطها نهر ميمون الفروات، مبارك الروحات، يجري بالزيادة والنقصان، كجري الشمس والقمر، وله أوان تظهر به عيون الأرض وينابيعها، حتى إذا عج عجاجه، وتعظمت أمواجه، لم يكن وصول بعض أهل القرى إلى بعض إلا في خفاف القوارب، وصغار المراكب، فإذا تكامل في زيادة نكص على عقبه، فإذا ما بدأ في شدته، وطما في حدته، فعند ذلك يخرج القوم ليحرثوا بطون أوديته وروابيه، يبذرون الحب ويرجون الثمار من الرب، حتى إذا أشرق وأشرف سقاه من فوقه الندى، وغذاه من تحته الثرى، فعند ذلك يدر جلابه، ويغني ذيابه، فبينما هي يا أمير المؤمنين درة درة بيضاء، (إذا هي غبرة سوداء إذا هي زبرجدة خضراء فتعالى الله لما يشاء، الذي يصلح هذه البلاد وينميها، ويقر قاطنها فيها)، ألا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وألا يستأذي خراج ثمره إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وتراعها.. فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال، تضاعف ارتفاع المال، والله – تعالى – يوفق في المبتدأ والمآل».
يقول أبو المحاسن: فلما وصلت الرسالة للخليفة عمر، قال لله درك يا ابن العاص، وصفت لي خبراً كأني أشاهده!!
ولمكانة هذه الرسالة بلاغياً ووصفياً ولغوياً، فقد ترجم هذه الرسالة المستشرق الفرنسي «أوكتاف أوزان» في جريدة الفيجارو، واصفاً إياها بأنها «من أكبر آيات البلاغة في كل لغات العالم، وقال عنها: إنها من الفرائد في إيجازها وإعجازها، واقترح وجوب تدريس الرسالة في جميع مدارس المعمورة، حتى يتعلموا منه، صورة الإبداع في الوصف لغة، في عمليات الرسائل بين دوائر الأطراف والدائرة المركزية.
بناء الفسطاط:
ارتبط بناء هذه المدينة بدخول المسلمين مصر، بقيادة عمرو بن العاص، وقد تضاربت الروايات حول قصة بنائها واختيار مكانها، لتكون عاصمة وقاعدة استقبال واستيطان للمسلمين القادمين إلى مصر، بحيث يلتحقوا منه في قوات الفتح الإسلامي، المنطلقة تجاه نشر الإسلام في الشمال الأفريقي، وكما سبق الحديث عن الفسطاط، فقد جاء اختيار موقعه وبنائه بعد الانتهاء من فتح الأسكندرية، وكان عمرو يريدأن يتخذ من الاسكندرية عاصمة له لوفرة منازلها، فأرسل إلى عمر رسولا يستشيره بذلك، فسأل عمر الرسول قائلا له: “هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟ فقال الرسول: «نعم يا أمير المؤمنين، إذا جرى النيل، فكتب إلى عمرو: إني لا أحب أن تنزل بالمسلمين منزلا يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا في صيف»، وذلك لسبب عدم وجود سفن عند المسلمين كي يعبروا فيها، ونزولا على وصية عمر، فقد وقع اختيار عمرو على موقع الفسطاط، وهو السهل الذي يلي حصن بابليون، وكان قربه من جبل المقطم، ما ساعد على قطع الحجارة لبناء الفسطاط، وقد بنى عمرو فيه مسجدا عرف باسمه ولا يزال قائما، وجاء موقع الفسطاط إلى الشرق من نهر النيل، وكانعمرو قد بدأ في بناء الفسطاط في سنة (21ه - 642م) وذلك بعد أن انتهى من جميع الأعمال العسكرية، وطرد الروم من مصر، وسيادة الحكم الإسلامي فيها، ومع امتداد الإسلام في الشمال الافريقي، فقد بنى المسلمون مدينة القيروان في شمال المغرب، لتقوم بالدور الذي يقوم فيه الفسطاط في مصر.
الفسطاط في ذاكرة التاريخ:
نال الفسطاط في نشأته اهتمام المؤرخين المسلمين، وقد تنوعت المصادر والمراجع التاريخية، وذلك من واقع مكانته في تاريخ الإسلام السياسي والدعوي، فمن المصادر ما كان رواية تقدم بها أصحابها لكتاب التاريخ، ومن الرواة الليث بن سعد (94 – 175هـ) وكاتبه عبدالله بن صالح، وعبدالله بن لهيعة الحضرمي (97 – 174هـ)، وأبي عبد الحكم (257هـ) ومن ثم الطبري (310هـ)، كل ما كان قد كتبه الطبري فقد اعتبر مصدراً لهم، كأبن الأثير وابن كثير وابن خلدون، وغيرهم من الكتاب البلدانيين، ومنهم (ابن خرداذبه واليعقوبي والاصطخري وابن حوقل وابن الفقيه وابن رسته والمقدسي)، ومن أصحاب الخطط «الكندي في كتابه خطط الفسطاط،والقضاعي، وياقوت الحموي، وابن ظهيرة، والشريف الجواني، والمقريزي»، كما لا يغيب عنا كتب التراجم في الرجال، فكل هذه المصادر قد تناولت الحديث عن الفسطاط على المئات من صفحاتها متحدثة عن مكانته في التاريخ الإسلامي.
الكوارث والنوازل التي حلت بالفسطاط:
امتد العمر بالفسطاط حتى منتصف القرن الثالث الهجري، وطيلة هذه الفترة من عمره، كان سكان الفسطاط يتأثرون بما يدور حوله من مؤثرات سواء كان سياسيا أم اقتصاديا أم عقائديا، ففي القرن الثالث الهجري قطع الخليفة المعتصم العطاء عن أهل الفسطاط، وأدخل القوات التركية الموالية له إلى مصر، وذلك بقصد تعزيز مكانة الدولة العباسية في مصر، كما أنشأ ابن طولون نظام «العسكر» فيه، ولكن نكبة الفسطاط بالعبيديين، كانت الأكبر، فقد أقدم الوزير العبيدي _ الفاطمي – شاور سنة (564هـ) إلى حرق عاصمة الدولة المصرية لمنع وقوعها في أيدي الصليبيين.
ولا يغيب عنا ما كان لأهل الفسطاط من أدوار مباشرة في الواقع السياسي والعسكري الإسلامي، فيما هو خارج الفسطاط، فقد شارك عدد من أبنائه المقاتلين، في الاحتجاج على الخليفة عثمان رضي الله عنه، شاركوا في قتله، كما شاركوا في العديد من الأحداث السياسية الأخرى التي تلت موت يزيد بن معاوية، ومن بعده مروان بن محمد، وقد اعتنق بعضهم الفكر الشيعي والفكر الخارجي، متأثرين بمناهضة البيت الأموي من باب التشيع، فقد أصابه ما أصابه من واقع هذا المؤثر، الذي أتى على تدمير وتهجير أهله، بل وهجر مسجده التاريخي المعروف بمسجد عمرو بن العاص، والذي أحب مصر وأحبه المصريون، ولم يكتف أعداء الفسطاط بتدميره بل ذهبوا إلى قبر عمرو بن العاص في مصر وهدموا قبره الذي كان معروفا، وبعد هدمه وطمس معالمه لم يعد معروفا.
تلك هي قصة الفسطاط وتلك هي حكاية فتح مصر، قاعدة الإسلام الأولى في مصر، والذي جاء معه تعريب مصر وأفريقيا الشمالية، وكان للصحابي والقائد عمر بن العاص رضي الله عنه، الفضل بعد الله في أن يقترن اسمه على مدار التاريخ المصري والأفريقي بتعريب وأسلمة مصر وشمال إفريقيا وهو الذي قال فيه الخليفة عمر رضي الله عنهما «ما ينبغي لأبي عبدالله أن يمشي على الأرض إلا أميرا».
المؤرخون وفتح مصر:
لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب، عبارة نطق فيها «غوستاف لوبون»، فقد دخل المسلمون مصر دعاة محررين، وليسوا غزاة مستعمرين، وهذا ما عرفته وشهدته سائر الأقاليم التي دخلها الإسلام والمسلمون، وقد وجدت شعوب البلاد المفتوحة، هذه السماحة عند المسلمين، فدخل أصحاب البلاد في الإسلام فرادى وجماعات، ففي أقل من خمسة عقود، اتسعت جغرافية الدولة الإسلامية من الصين شرقا حتى الاطلسي غربا، وكانت مصر واحدة من هذه الأقاليم، سكان مصر قبل فتح المسلمين لها، كانوا يعرفون بالقبط، وكانوا من أصحاب العقيدة النصرانية الشرقية – الأرثوذكسية – احتلها الرومان وامتد استعمارهم لها قرابة سبعة قرون، وبدخول الإسلام مصر فقد حررهم من الرومان، الذين تعاملوا معهم كعبيد أرقاء، ذاقوا على أيديهم أبشع أنواع الظلم والإهانة.
فقد كان الرومان من اتباع العقيدة النصرانية الملكية، وقد ناهض الرومان القبط في عقيدتهم الشرقية الأرثوذكسية، وفي ظل سماحة الإسلام، عادت للقبط حريتهم العقائدية، وقد استقبل عمرو كبير القبط البطريرك بنيامين، الذي نفاه الرومان قرابة العشر سنوات، فأعاد له عمرو اعتباره وجعله كبيرا للقبط في بطريركيته، وذلك بعد فتح الاسكندرية وتحريرها من الرومان.
ومن أفضل المصادر الحديثة التي تكلمت عن فتح مصر على يد عمرو بن العاص، المؤرخ أمين سعيد في كتابه النفيس «تاريخ الإسلام السياسي – 2 – «، حروب الإسلام والإمبراطورية الرومية، «فتح الشام – مصر – افريقيا الشمالية»، مطبعة عيسى البابي الحلبي، سنة الطبع 1935، وقد اعتمد أمين سعيد في مؤلفه على أهم مصدر قبطي عاصر صاحبه فتح عمرو لمصر، وهو حنا النقيوسي، ونقيوس هذا حصن في المنوفية (إحدى محافظات مصر)، لكنه لم يبق له أي أثر اليوم، بسبب تدميره، وجاءت أخبار النقيوسي عن الفتح الإسلامي لمصر، ما بين سنتي «640 – 643م»، ويعتبر كتاب أمين سعيد من أهم مصادر تاريخ الفتح الإسلامي وحروبه ضد الروم، في الشام ومصر والشمال الأفريقي أما كتاب النقيوسي، فقد كانت لغة الكتابه فيه هي اللغة القبطية، وقد نقل الكتاب إلى الحبشة، وعثر عليه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للميلاد، في دير بالحبشة،
فقام بترجمته للفرنسية مرة الحبشية، المستشرق الفرنسي زوتنبرغ سنة 1904م، وقد أعانه على ذلك المعهد الوطني الفرنسي في باريس، وكان قد وجده أمين سعيد في المكتبة القبطية داخل حصن بابليون، فنقل عنه ما كتبه عن الفتح الإسلامي لمصر ككاتب معاصر، وكان أمين سعيد يحسن اللغة الفرنسية، وقد نقل منه شروط الهدنة التي تمت بين عمرو وقيرس – المقوقس – في حصار بابليون، وهو من المستندات النادرة في العالم، التي تعود أهميتها إلى معاصرتها للفتح الإسلامي لمصر.
كما وجد أمين سعيد في المكتبة القبطية، كتاباً آخر لأحد بطارقة الأقباط، والذي هو (ساويرس بن المقفع) أسقف الأشمونيين، وهو من رجال القرن العاشر الميلادي، وكان قد كتبه باللغة العربية، وأعيد نشره إضافة للعربية اللغتين والفرنسية والإنكليزية، وذلك سنة 1904م، على يد المستشرق الفرنسي ب. إيفت، ويشير أمين سعيد إلى أنه استقى مادة كتابه إضافة لذلك المصدر القبطي من هذا المصدر، الموجود في دير القديس أبي مقار، ودير نهيا، وغيرهما من الأديرة، وما وجده في أيدي النصارى من أوراق» من مرة كتب عن قصة البطريرك بنيامين، كان قد استقاه من كتاب أمين سعيد، وبنيامين في قصته، يتجلى لنا فيها سماحة الإسلام مع الأقباط في مصر، حيث استقبله عمرو بن العاص، ورد له اعتباره في منصبه الديني الذي سلبه إياه الحكم الروماني لمصر، مع نفيه مدة عشر سنوات عن بلده.
فرية حريق مكتبة الاسكندرية:
ذهب الكثير من أعداء البيت الأموي وأعداء الإسلام، في النيل من شخصية عمرو بن العاص، الصحابي والقائد الإسلامي الجليل، واتهموا الفتح الإسلامي لمصر بقيادة بن العاص بحرق مكتبة الإسكندرية، وقد كشف عدد غير قليل من المستشرقين ومنهم الإنكليزي الفريد بتلر، الذي أشار إلى أن المصادر اليونانية، تشير إلى أن حريقها قد تم على يد «يوليوس قيصر» سنة «48 م»، عندما حضر إلى الإسكندرية، ومن الذين أنصفوا المسلمين من هذه الفرية المستشرقين التالية أسماؤهم «أرنست رينان – وجيبسون – رينوود – سيديو»، ويقول سيديو بأن هذه القصة، وضعها معادون للعرب والإسلام، وكان «رينوود» قد شكك في رواية أبي الفرج الأصفهاني المتشيع، والمعادي لعمرو بن العاص لولائه الأموي، وهو المرجع العربي المنفرد في هذه الرواية بقصد النيل من البيت الأموي.
محطات في حياة فاتح مصر:
لا يمكن الحديث عن فتح مصر دون أن نعرج بالحديث عن صاحب وقائد هذا الفتح العظيم، والذي هو عمرو بن العاص السهمي القرشي، والده من زعماء قريش
اختارته قريش كسفير لها إلى النجاشي لتسليمه المهاجرين المسلمين الذين دخلوا في جواره أيام هجرة المسلمين للحبشة.
شارك في غزوة بدر وأحد والخندق ضد المسلمين.
وقع صلح الحديبية بين قريش والرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عمرو لا زال مشركاً.
بعد صلح الحديبية أبدى رغبته في اعتناق الإسلام.
سافر إلى المدينة المنورة لاعتناق الإسلام على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحبة كل من خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، في السنة الثامنة للهجرة.
كلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل رسالته لحكام عمان، وفيها يدعوهم للإسلام. وهما جيفر وعبد ابن الجلندي.
أناط به رسول الله صلى الله عليه وسلم قيادة حملة ذات السلاسل وفي الحملة كان أبو بكر، وعمر رضي الله عنهم جميعا مجاهدين فيها.
شارك في فتح الشام، وعندما وصل عمر الشام كان عمرو قائد الجيش الإسلامي فيها.
صاحب فكرة الحملة على مصر، وكان فاتحها.
والي مصر بعد فتحها من قبل الخليفة عمر.
اختير في قضية التحكيم بين معاوية وعلي رضي الله عنهما. فكان هو عن معاوية، والمغيرة بن شعبة عن علي.

