الحياة الإقتصادية في الحجاز وعلاقاته في عصر المماليك
حجاج سلامة
تتعدّد كتابات الرحّالة والمستشرقين عن الحجاز الذي احتلت المؤلفات الذى تدور في فلكه مساحة كبيرة في المكتبة العربية والأجنبية، إضافة إلى ما يحظى به من مكانة في حقل الدراسات التاريخية والإقتصادية والإجتماعية.
وبين أيدينا اليوم، واحد من المؤلفات التي تُسلّط الضوء على جانب مهم من تاريخ الحجاز، وهو الحياة الإقتصادية، وما تمتّع به من علاقات تجارية مع الكثير من الدول والمناطق، ويتناول الكتاب على وجه الخصوص تلك الحياة الإقتصادية والعلاقات التجارية التي عرفت بها منطقة الحجاز في عصر المماليك.
الكتاب الذي صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة "تاريخ العرب"، يحمل عنوان "الحياة الإقتصادية في الحجاز وعلاقاته في عصر المماليك"، وقد تناول فيه مؤلفه الباحث الأردني الدكتور محمد محمود العناقرة، تاريخ الحجاز ومكانته الدينية وأحواله الإقتصادية وعلاقاته بداية من المنطقة العربية وحتى الصين، مروراً بالهند والسواحل العربية إلخ.
وبحسب مقدمة الكتاب، فإن المؤلف اختار دراسة الحياة التجارية والاقتصادية في الحجاز في عصر دولة المماليك، لأهمية عناصر هذه الحياة في تلك الفترة، حيث بسط سلاطين المماليك - أنذاك - نفوذهم على الحجاز وبلاد الشام لضمان تأثيرهم الديني النابع من سيطرتهم على الأماكن المقدسة، وخدمتهم لها عن طريق تسهيل حركة عبور الحجيج إلى الحجاز.
ويتناول الكتاب – كذلك - ما للإقتصاد من أهمية وتأثير متبادل على سائر مجالات الحياة، حيث كانت التجارة عماد الحياة الاقتصادية.
وتوضح لنا صفحات وفصول الكتاب، أهمية الحياة الاقتصادية والتجارية للبحر الأحمر وموانئه الجنوبية والشمالية في العصر المملوكي، وكيف شجّع المماليك التجارة والسياحة، وأصدروا المراسيم التي تشجع على زيارة بلادهم.
ويورد لنا الكتاب ما جاء في المرسوم الذي أصدره السلطان المنصور قلاوون ووزعه على جميع البلدان: (فمن وقف على مرسومنا هذا من التجار المقيمين باليمن والهند والصين والسند وغيرهم، فليأخذ الأهبة فى الارتحال إليها، والقدوم عليها، ليجد الفعال من المقال أكبر، ويرى إحساناً يقابل فى الوفاء بهذه العهود بالأكثر، ويحل منها في بلدة طيبة ورب غفور، وفى سلامة من النفس والمال).
ويُلفت الكتاب نظرنا كذلك، إلى ما أقامه المماليك من طرق، وما شيدوه من خانات على طول طرق الاتصال والمواصلات لخدمة حركة التجارة الداخلية والدولية.
ويُبيّن لنا كتاب "الحياة الإقتصادية في الحجاز وعلاقاته في عصر المماليك"، غنى تاريخ الحجاز بالأحداث التي تحتاج إلى الدراسة، ومنها التاريخ الإقتصادي والتجاري.
ويكشف لنا الكتاب من خلال فصوله المختلفة، عن الكثير من تفاصيل الحياة الاقتصادية والتجارية للحجاز وما حولها. ويتوقف عند الفترة الواقعة بين سنتي (٦٤٨-٩٢٣هـ / ١٢٥٠ - ١٥١٧م) كنطاق زماني لما احتواه الكتاب من دراسات.
ويُعالج الكثير من الموضوعات إبان تلك الفترة، مثل أهمية بلاد الحجاز الاقتصادية باعتبارها حلقة وصل بين الشرق الأقصى والساحل الأفريقى، ومنطقة الشام ومصر وبلاد الرافدين، وأهمية قدوم وفود الحجاج إلى مكة، والأثر الاقتصادي الذي انعكس على بلاد الحجاز نتيجة التبادل التجارى بين وفود الحجاج والتجار القادمين من الشرق والغرب.
كما يُسلّط الضوء على العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الحجاز والشرق الأقصى، والساحل الشرقى الأفريقي وبلاد الرافدين والشام ومصر، مُركّزاًعلى المردود الاقتصادى على المواطنين فى الحجاز بشكل خاص، وعلى دولة المماليك بشكل عام.
وقد تكوّن كتاب "الحياة الإقتصادية في الحجاز وعلاقاته في عصر المماليك"، لمؤلفه الباحث الأردني الدكتور محمد محمود العناقرة، من مقدمة وتمهيد وأربعة فصول وخاتمة.
وقد بدأ الكتاب بالحديث عن أهمية دراسة الحياة الاقتصادية والعلاقات التجارية للحجاز، وجغرافية الحجاز وما جاء عنه في كتب الجغرافيين العرب، وحدوده الجغرافية، وملامحه الطبيعية.
وخصص المؤلف الفصل الأول من الكتاب، للحديث عن طرق التجارة الدولية بين الشرق والغرب في عصر دولة المماليك، وتناول فيه الطرق التجارية التي تربط الحجاز بالعالم الخارجي من طرق بحرية وبرية، مثل الطرق البحرية التي تربطها مع الشرق الأقصى"الصين والهند عن طريق الخليج العربي " وأخرى عن طريق البحر الأحمر، وقد ساعد هذا الطريق على إحياء وازدهار العديد من المدن والموانىْ التجارية على امتداد سواحل البحر الأحمر منها عدن، وجدة، وينبع، وعيذاب، وقوص، والعقبة، والطور، وهناك الطريق البحرى الذي يربط الحجاز بشرق أفريقية.
وكذلك الطرق البرية التي ربطت الحجاز بمناطق أخرى داخل الجزيرة العربية وخارجها، عدن، والخليج العربي، وعمان والعراق، ودمشق، ومصر.
كما تطرق المؤلف في هذا الفصل إلى طرق الحج ومسالكها، كطريق الحج المصرى وطريق الحج الشامى، وطريق الحج اليمنى، وطريق الحج العراقي.
وأما الفصل الثاني فقد خصصه مؤلف الكتاب للحديث عن التجارة الداخلية في الحجاز في عصر دولة المماليك، وتناول فيه الأسواق والسلع في بعض مدن الحجاز منها سوق مكة، وسوق المدينة، وسوق الطائف، وبيّن ما يعرض بهذه الأسواق من سلع تجارية، ومنتجات الحجاز المحلية، وما يجلب إليها من الأقطار والبلدان الأخرى، وبخاصة في موسم الحج الذي يعتبر فرصة جيدة للتبادل التجاري بين أهل الحجاز والحجاج الوافدين إليها.
وتحدث فيه – كذلك – عن أهمية موسم الحج وأثره على النشاط الاقتصادي الحجازي، وبخاصة على حركة التجارة الداخلية لما تشهده من حركة تجارية نشطة في أسواق المدن، من خلال عمليات البيع والشراء.
وتناول في هذا الفصل أيضاً، الأوزان والمكاييل والمقاييس والمسكوكات المستخدمة في الحجاز في العمليات التجارية من بيع وشراء، واختتم هذا الفصل بالحديث عن الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها الحجاز بسبب الأوبئة والأمراض، والقحط والجفاف، وعدم انتظام سقوط الأمطار، وغيرها.
وفي الفصل الثالث، توقف المؤلف بالدراسة والتحليل عند العلاقات التجارية الخارجية التي ربطت الحجاز بالعالم الخارجى، وتمثلت في العلاقات التجارية بين الحجاز والشرق الأقصى، وبين الحجاز واليمن وبلاد عمان، وبين الحجاز وشرق أفريقيا، وبين الحجاز ومصر، وبين الحجاز وبلاد الشام، وبين الحجاز والعراق، وتحدث فيه كذلك، عن أنواع السفن المستخدمة في البحر الأحمر والمحيط الهندي وأوقات إبحارها.
وأما الفصل الرابع، فقد خصصه المؤلف للحديث عن الزراعة والصناعة في الحجاز، وتناول فيه مصادر المياه، والغطاء النباتي في الحجاز، وأنواع المزروعات والثروة الحيوانية. وتحدث عن أبرز الصناعات الشائعة في الحجاز آنذاك، مثل الدباغة والصناعات الجلدية، والتعدين والصناعات المعدنية والصناعات الغذائية وصناعة المنسوجات، وصناعة العطور، وصناعة البناء والنجارة، وصناعة الحلى والمجوهرات، والحرف التقليدية مثل السقاية والخرازة، والصيد والدهان والوراقة وغيرها.
وهكذا كان الحجاز وما يزال محل اهتمام من قبل الباحثين والكتاب من عرب وأجانب، ومن قبلهم الرحّالة والمستشرقون على مدار قرون مضت وحتى اليوم.

