تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

وُلِد مؤسسها في عنيزة بالقصيم سنة 1882: المدرسة الأثرية: نُقطة تحوّل في تاريخ قطر

وُلِد مؤسسها في عنيزة بالقصيم سنة 1882: المدرسة الأثرية: نُقطة تحوّل في تاريخ قطر

حجاج سلامة

يوثق كتاب "المدرسة الأثرية في قطر (1916 – 1938) نقطة تحول في تاريخ قطر"، لمؤلفته سلمى القبطي، حكاية المدرسة الأثرية التي أنشئت في قطر عام 1916م واستمرت حتى عام 1938م. ويسلط فيها الضوء على أهمية العلم في تلك الحقبة من تاريخ قطر، وعلى أسباب قيام هذه المدرسة ودورها.

ويذكر هذا الكتاب – الصادر عن وزارة الثقافة القطرية وراجعه تاريخيا الدكتور حسن العبدالله - طلاب المدرسة الأثرية، وكيف استقطبت هذه المدرسة الطلاب من قطر وخارجها.

وتستعرض صفحات الكتاب تاريخ المدرسة الأثرية في قطر، والتي اقامها الشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني، واختار لشيخ محمد بن عبد العزيز المانع ليتولى تأسيسها وإدارتها، وكذلك جملة الأحداث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المركبة التي أحاطت بإقامة المدرسة والعوامل الداخلية والخارجية التي ساعدت على وجودها، وتسلط الضوء على اسباب نجاحها وازدهارها.

وبحسب مقدمة المؤلفة، فإن فصول هذا الكتاب تُضيىء على حقبة زمنية فارقة في تاريخ قطر والخليج، وتربط بين الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ذلك الوقت ووجود المدرسة الأثرية التي كانت تمثل تجربة فارقة في تاريخ الخليج فقد جمعت بين أبنائه تحت راية العلم والدين كما أنها كانت تشكل تحديا للقوى الاستعمارية التي طالما حاولت التفريق بين أبناء الخليج والتحكم في علاقاتها ببعضها ولكن دون جدوى، وبذلك بعثت المدرسة الأثرية إلى تلك القوى برسالة واضحة تخير فيها أن الخليج لحمة واحدة إلى الأبد.

وتؤكد صفحات وفصول الكتاب، على أن ذلك لم يكن ليتحقق إلا بمجهودات الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني، والشيخ محمد المانع اللذين علما جيدا أن العلم سلاح الأوطان وأن بذل الجهد في بناء هذه المدرسة لن يضيع سدى.

ويشير الكتاب إلى أن المدرسة الأثرية كانت نقطة البداية ليتجلى منها بعد ذلك وعاظ وأئمة وقضاة وخطباء وعلماء وشعراء وأدباء ومؤرخون وتجار ومعلمون، فما كان منهم إلا أن قاموا ببناء الأوطان وحققوا فيها ازدهاراً كبيراً.

وقد اعتمدت مؤلفة الكتاب على عدد من المصادر التاريخية والكتب والأبحاث العلمية والدراسات السابقة المنشورة وغير المنشورة، بجانب عدد من المقالات التي نشرت في الصحف والمجلات، علاوة على ذلك تم التواصل مع عدد من الكتاب والمؤلفين وأبناء وأحفاد طلاب المدرسة الأثرية لنستقي بعضًا من المعلومات عن إنجازاتهم وحياتهم.

وقد عملت المؤلفة من خلال كتابها، على تعريف العامة من الناس والطلبة في شتى مجالاتهم عن المدرسة الأثرية وأهميتها، واهتمام الأجداد بالعلم والدين واقتناء الكتب، وتقديم صورة شاملة عن الحقبة ما بين 1950-1913م: تلكم الحقية التي دارت فيها أحداث حول المدرسة الأثرية، وأثارها على قطر والخليج.

بين الحاكِم والعالِم

وبيّنت فصول صفحات الكتاب، أن اختيار الشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني، للشيخ محمد بن عبد العزيز المانع لتأسيس وإدارة المدرسة، لم يكن إلا عن دراية وحكمة، فقد كان هذا الشيخ الجليل هو الأجدر لتطبيق فكرته، وأن فكرة أن التعاون القوي بين الحاكِم والعالِم نسجت خيوط فترة تاريخية عظيمة.

ونتعرف من صفحات الكتاب على أن الشيخ محمد المانع عاش ثمانين عاماً ونَيْفًا، كان فيها العالم المعطاء، والرحال الذي لا تعرقله الحدود والمسافات؛ يجوب البلاد باحثًا عن أهل العلم ليستزيد منهم م) كان ذلك الرجل يغار على دينه وأي أرض إسلامية من محاولات التبشير والتخريب وتبديل الدين والعادات، وتلك كانت السياسة التي مارستها بريطانيا في الخليج.

وكان ذلك المعلم صاحب الهيبة والشأن والحكمة والأب الذي يحرص على تعليم أبنائه كل ما يجول في خاطره؛ لقد كان قائد مسيرة التعليم وبانيا لذلك الجيل الذي عرف جيدا معنى الوطن والتعلم والحضارة، جيل تمسك بدينه فعلا، ورفع من شأن بلاده.

لقد كان لقبه ابن المانع نسبة إلى جده الأول المانع بن إبراهيم : ولد الشيخ محمد المانع في عنيزة بالقصيم عام 1882م، وقد كان لبيئته أثر على نشأته نشأة علمية؛ إذ إن القصيم كانت بلدة ذات تربة خصبة مأهولة بالسكان، وفيها من معالم التمدن من مستشفيات و مدارس وكان والده الشيخ عبد العزيز المانع صاحب علم وولي القضاء في عنيزة، وكان والده مهتمًا بتعليم ابنه منذ صغره؛ وكان لوالدته الفضل الأكبر في تشجيعه على السفر والترحال منذ الصغر بحثا عن العلم والعلماء بعد وفاة والده فسافرت به طفلاً إلى بريدة ليمكث طالبًا عند شيخ أبيه الشيخ محمد بن عبدالله بن سليم ولم يكن يبلغ العاشرة من عمره آن ذاك آنذاك.

وأما بداية رحلاته الطويلة فقد كانت بعد أن بلغ الثامنة عشرة من عمره، وكانت البصرة هي أول وجهة له، ومنها إلى عدن ونجد ثم عاد إلى البصرة ومنها إلى بغداد وكان تلميذا للعلامة السيد محمود شكري الألوسي، وهو عالم عراقي من أهل السنة برع في الدين واللغة والتاريخ وله مؤلفات عديدة منها بلوغ الأرب وتفسير روح المعاني وغيرها، وقد أخذ عنه شيخنا ابن المانع محاربته للبدع والخرافات ووطنيته وغيرته على دينه.

وأما ثاني أسفاره لطلب العلم فكانت إلى مصر حيث درس فقه الحنابلة وغيره من العلوم في الأزهر، وكان تلميذا للشيخ محمد عبده والشيخ محمد الذهبي، ومكث في مصر ثلاث سنوات، وبعد عودته إلى نجد عاد ليستزيد في العلم من أهل الشام، ثم من الشام إلى بغداد؛ حيث شيخه الألوسي.

وفي عام 1912م بدأ نشاطه في مكافحة التنصير ضد الإنجليز في البحرين؛ حيث دعاه الشيخ مقبل الذكير أديب من عنيزة، وهو أحد أعيان نجد وتجارها إلى البحرين حيث يقيم، وذلك لإقامة مدرسة يدرس فيها منهاجًا إسلاميًا مناهضًا لحركة التبشير التي يمارسها الإنجليز بالتعاون مع الإرسالية الأمريكية التي تولت مهمة التنصير في الخليج، وقضي الشيخ محمد المانع أربع سنوات في البحرين حارب فيها سياسة التنصير التي كان يتزعمها أحد القساوسة وذاع صيت الشيخ محمد المانع في المنطقة، فأرسل أعيان الخليج وأغنياؤهم أبناءهم إلى البحرين ليتتلمذوا على يد الشيخ محمد المانع في النادي الإسلامي في البحرين.

وبحسب الكتاب، فإن هذه الفترة غيرت أولويات الشيخ محمد المانع من كونه تلميذا إلى. معلم حريص على زرع القيم الدينية والعلوم العميقة في أذهان أبنائه.

فكرة المدرسة الأثرية 

دعاه بعد ذلك الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني إلى قطر، وعرض عليه فكرة المدرسة الأثرية التي تكلل تطبيقها بالنجاح واستمرت لأكثر من عشرين عاما درس خلالها لأجيال على غرار النظام المتبع في الأزهر الشريف، والتي خصصت للبالغين لتكون بذلك أشبه بالجامعة أو المعاهد العليا للتعليم.

ونوّت صفحات الكتاب، إلى أن لهذه المدرسة الفضل الأكبر في سطوع شمس العلم والحضارة، ويذكر لنا الدكتور عطية عبد الحليم صقر في كتابه الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع، أنه قد تخرج على يد الشيخ محمد المانع مئات الطلاب من أبناء قطر ودول الخليج ولم يكن في قطر معلما فحسب وإنما ولاه الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني على القضاء والإفتاء أيضًا، ولازمه تلاميذه قاضيًا ومفتيًا ومعلما، لئلا يفوتهم شيء من العلم.

ولم يخرج المنهج الذي اتخذه هذا المعلم عن إطار الكتاب والسنة، ففجر ينابيع النهضة العلمية والفكرية والثقافية، وقاد هذا المعلم الحركة الإصلاحية في منطقة الخليج بذكاء فلم يكن إصلاحًا جبرياً مرفوضا من عامة الناس وإنما أعطته العامة حقه وقيمته بحق ولم تكن تلك الحركة الثقافية التي أسسها العالم والحاكم إلا حلمًا جميلا وطموحا لا حدود له، ويُجزم الكتاب بأن الشيخ محمد المانع هو أبو التعليم في قطر التي أحبها وأحبته.

تاريخ إنشاء المدرسة الأثرية

وبحسب الكتاب، فقد اختلف في تاريخ إنشاء المدرسة الأثرية في المصادر العربية، وأغلب المصادر تذكر أن تاريخ إنشاء المدرسة الأثرية كان عام 1913م أي في نفس السنة التي تولى فيها الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني مقاليد الحكم، وهذه المصادر اعتمدت على دراسة كمال ناجي تاريخ التعليم الشعبي في قطر - والذي صدر عن لجنة تدوين تاريخ قطر في ندوة بعنوان مؤتمر دراسات تاريخ شرق الجزيرة العربية» - كمصدر أولي لهذه المعلومة، وفي كتاب التعليم في دولة قطر في القرن العشرين، يُرجع إنشاء المدرسة الأثرية في الفترة ما بين عامي 1913م و 1933م.

والرأي الآخر موجود في كتاب الشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني: حياته وعهده وأعماله للدكتور محمد الدروبي، وفيه يرجح إنشاء المدرسة الأثرية عام 1915م، وذلك استنادا إلى کتاب "قطر في مذكرات ابن المانع" لعبد الرحمن الشقير، ويذكر الدروبي أنه هو التاريخ الأصح كونه ذكر في مذكرات ابن المانع.

وفي كتاب التطور الاجتماعي في قطر تاريخ مواقف - رجال يذهب كل من محمد الشافعي وصادق العناني إلى أن المدرسة الأثرية قد تم إنشاؤها عام 1917م، مستندين إلى روايات جاسم الدرويش فخرو.

وأما الرأي المرجح – بحسب كتاب المدرسة الأثرية في قطر (1916 – 1938) نقطة تحول في تاريخ قطر - فهو يستند إلى كتاب قطر في "مذكرات ابن المانع" لعبد الرحمن الشقير، وفيه يذكر أن الشيخ ابن المانع دعي من قبل أهل البحرين في عام 1331هـ ومن ثم ارتحل إلى قطر عام 1334هـ بدعوة من الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني ومكث فيها حتى عام 1358هـ، وفيه يخبر أن الشيخ ابن المانع مكث في البحرين أربع سنوات، ومن المعروف أنه كان قد عكف فيها على التدريس في النادي الإسلامي المناهض للفكر التبشيري.

ويدلنا الكتاب على أن الإشكالية تكمن في معرفة التاريخ الميلادي لإنشاء المدرسة الأثرية، وهذه الإشكالية هي نتيجة فرق الأشهر بين السنة الميلادية والهجرية؛ فإذا كان عام 1331هـ هو عام 1911م فإن تاريخ إنشاء المدرسة الأثرية ينبغي أن يكون عام 1915م، وإن كان عام 1331هـ هو عام 1912م فإن تاريخ إنشائها هو عام 1916م، وبما أن المصدر الثاني الذي اعتمدت عليه يذكر أن الشيخ المانع وصل إلى البحرين عام 1912م، والراجح بحسب الكتاب، أن المدرسة الأثرية تأسست عام 1916م.

عن المدرسة الأثرية:

ويذهب الكتاب إلى التأكيد على أن تأسيس المدرسة الأثرية تم عام 1916م، بعد أن استلم الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني مقاليد الحكم؛ فقد كان الشيخ عبدالله بن جاسم محبا للعلم كوالده. وكان شديد الاهتمام بالعلماء ومجالس الفقه والأدب، كما أنه كان يحب اقتناء الكتب، وقد رأى أن نظام الكتاتيب غير كاف للنهوض بالوطن فقد اعتبره نظاما مقتصراً على محو الأمية، وأنه لا بد من رفع مستوى التعليم اللازم للقضاء على كل معوقات التنمية والتقدم الذي كان ينشده دائما، وبذلك كانت المدرسة الأثرية بمثابة تطبيق لسياسة الشيخ عبدالله بن جاسم التعليمية.

وكان محارب التبشير الشيخ محمد المانع يقيم في البحرين ويقوم بدوره البارز في تعليم النشء أسس الدين والفقه والتعاليم الإسلامية في النادي الإسلامي، محارباً بذلك الإرسالية التبشيرية التي استقرت في البحرين ورأى الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني أن الشيخ محمد المانع أهل للمهمة التعليمية في بلاده والأجدر لمنصب القضاء فيها، وبذلك دعاه إلى قطر فقدم إليها في عام 1916م . 

وما إن استقر الشيخ محمد المانع في الدوحة حتى وكلت إليه مهمة القضاء، وكان في بادئ الأمر يخطب في الناس ويقيم الدروس في المساجد إلى أن تم إنشاء المدرسة الأثرية في الدوحة، والتي تعتبر مدرسة نموذجية في ذلك الوقت.

ووفقا للكتاب الذي بين أيدينا، فقد استطاع الشيخ محمد المانع من خلال لقاءاته مع الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني، أن يؤسس مدرسة تتناسب وطموح الحاكم، كما أن المدرسة الأثرية كانت نموذجًا متطورا عن النظام التقليدي المتمثل في الكتاتيب، ولما أعلن عن افتتاح المدرسة الأثرية في المساجد والمجالس وأرسل الشيخ المانع دعوات لباقي مناطق الخليج، التحق بها عدد كبير من الطلبة من مناطق متفرقة من الخليج العربي.

موقع المدرسة الأثرية

ويدلنا كتاب "المدرسة الأثرية في قطر (1916 – 1938) نقطة تحول في تاريخ قطر"، أنه تم تخصيص إحدى حجرات قصر الحاكم مقراً للمدرسة الأثرية، ولا يزال هذا القصر قائما حتى يومنا هذا في متحف قطر الوطني حاليا، ثم اتخذت المدرسة بعد ذلك من منزل لآل الباكر مقراً لها، وبعد ذلك استقرت المدرسة الأثرية في منطقة الجسرة (بالقرب من مسجد محمد بن عبد اللطيف المانع وقصر الدوحة وهو الديوان الأميري حاليا، وبعد عامين من استقرار الشيخ محمد المانع في قطر وتوليه القضاء نقل طلابه إلى دار القضاء حيث استقرت المدرسة هناك. ولعله كان آخر مقر لها.

وُلِد مؤسسها في عنيزة بالقصيم سنة 1882: المدرسة الأثرية: نُقطة تحوّل في تاريخ قطر
Ehsan Logo