تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

السينوغرافيا في الشعر السعودي الأنثوي.. " رسائل نمطية من خطاب مشهديّ مُتكرر للحب وآلامه"

السينوغرافيا في الشعر السعودي الأنثوي.. " رسائل نمطية من خطاب مشهديّ مُتكرر للحب وآلامه"

د. عماد الخطيب 


إن الطريقة التي بمقتضاها يبني الخطاب تصوره لمقام تلفظه الشخصي هو ما يقصد بالسينوغرافيا/ المشهدية، وفي الشعر السعودي الأنثوي يُبني خطاب السينوغرافيا على بعث روح الشاعرة المحطمة من جديد برسائل سينوغرافية تعيدها إلى الأصالة، وتستمد قوتها من مجموعة صفات تميزها على المستوى الإنساني العام، وتميزها بسمتها الأنثوية التي تميزها عن الشاعر المذكر، وهذا ما تسعى الشاعرة السعودية إلى تحقيقه وهي تعمم تجربتها لتصل إلى طرفي الشعر ( المؤنث والمذكر) على حد سينوغرافي خطابي يصنع التلاقي مع الآخر .

وحديثنا في المقالة سيمزج بين الخطاب السينوغرافي الشعري الذي يحكي عن الأصالة، إلى جانب الخطاب السينوغرافي الدال على الشمول، والتلاقي مع الآخر، وستكون النتيجة المتوقعة – وهذا من سمات الخطاب السينوغرافي – أن المتلقي يفترض نتيجة ويبحث عنها – هي رفض الشاعرة السعودية للتقليد ورغبتها في التجديد، وهذا سيتجسد في حديثنا عن الخطاب السينوغرافي عن (الحب) ومقارنين بين (الحب والألم) . 

تبلغنا الشاعرة السعودية اعتدال الذكر الله في مجموعتها ( تراتيل الروح في زمن الغربة) إحساسها من خلال تصويرها القائل :

الهمّ والحزن والآهات تعرفني 

والضيق والعسر والأنات والألمُ


إنه ه ينطلق من حاضرها العسير، مقارنة بماضيها الأكثر جمالا، وفي المشهد شعور محبط ودالات تختفي وراء سينوغرافيا يمكن للمتلقي أن يؤشر إلى مدلولاتها التي لا حصر لها جوابا لسبب همها وحزنها وآهاتها، وتقارن الشاعرة في سينوغرافيا متطورة التصوير المشهدي بين شبابها وشيبها فتقول:

شبابي لا أرى فيه سرورا

بشيبي ربما تزهو منايا 

ونقصد بالتصوير المشهدي :" ذاك التصوير الذي يأتي انعكاسا لما تحسه الشاعرة وهو على غير التصوير غير المشهدي والمسمى تبعا لباعثه من توير حركي أو بصري أو غير ذلك، إذ تصور الشاعرة ما تريد المتلقي أن يراه في نصها" .

وفي البيت السابق لا تتوقف سينوغرافيا الشاعرة عند مجرد تصوير إحساسها بل تتجاوز ذلك إلى رفض صفة إنسانية سامية هي صفة (الحب) فترفضه بشكله التقليدي فتقول:

نبهت قلبي في زمان قد قضى

إياك أن تهوى فتلك وصيتي 

وكذلك ترفض الشاعرة (فاطمة القرني) في قصيدتها (درس في الحب) الحب من أجل المنفعة قائلة:


مدي يديك 

وهيئي الأحضان للجدب الذي 

يجتاح صدري 

ثم يستمر خطابها السينوغرافي مقدما رسائل في الحب وهذا بعضها، إذ تقول:

صمت

ورعشة عاتب حيرى مريرة

صمت

وكيف يدوم

هل في الحب خيرة

نعم الحب النفعي ليس بحب، وهو ليس بالحب الخيرة المنتظر . 

في حين يستمر خطاب الشاعرة (اعتدال) السينوغرافي في ديوانها متسلسلا وفي الوقت الذي ترفض فيه الشاعرة الحب ، تستمتع بالألم ، فهل هذا هو الألم الممتع البديل عن الحب المتسلط ؟ 

إننا أمام سينوغرافيا أبيات غير قليلة تؤكد إحساس (الشاعرة اعتدال) بالألمك الممتع، لأنها لا تشكيه ولا تستعذبه، بل تصفه بالقادم الذي غير حياتها وبدل أيامها.

ومزجت الشاعرة اعتدال في خطابها السينوغرافي بين ألمها والطبيعة بإحسا رومانسي يصل إلى حد التأسطر ، وشخصت الشاعرة ألمها وجعلته المؤنس الباعث للذة والراحة ، موجهة خطابها إلى قلبها قائلة:

فيا قلبي ألا فانزف دماء

ويا عيني ألا فابكي ونوحي 

ثم عدد الشاعرة سبب طلبها قائلة:

  • على ظلمي

  • على بؤسي

  • على عجزي

ثم أكدت طلبها من عينها طالبة منها أن تبكي فقالت: 

ودمعا دافئا صبي ونوحي 

وشخصت الشاعرة البلبل وجعلته في خطابها السينوغرافي حزينا يشاركها في كل ما تحسه طالبة منه أن يغرد ولكن كيف له ذلك، وهي تقول بأن :

الروح حزينة

وعللت سبب تصويرها لروحها بالحزينة قولها للبلبل أن يردد لحن أيامها الدفينة واستمرت الشاعرة في ذكرها للكآبة، والأوجاع والقلق والأرق والصراخ والحيرة والمصائب والوحدة، وغير ذلك من الدالات التي تؤشر إلى خطاب متألم يبني سينوغرافيا (مشهدية متألمة، سوداوية) لمعظم دلالاتها في شعرها.

وكذا فعلت الشاعرة (فاطمة القرني) إذ شاركتها الصحراء وشاركها الرمل في مطارحة الغرام، فاكتملت رسالتها في خطابها المشهدي / السينوغرافي نحو طلب الحب ووصلت رسالتها إلى المتلقي من خلال صورتها :

وأنت عرفتني

جدبا يطارحك الغرام تولها

ينكبّ ينشد في شفاه لرمل

برد الحب

في أصل الظهيرة

إنها رومانسية من نمط آخر ، ولعل هدف مقالنا عن السينوغرافيا هو كشف تلك النمطية غير التقليدية في خطاب مشهدية الشاعرة السعودية .

إنه خطاب مشهدي متكرر عند غير شاعرة سعودية، ونعني به ذلك الخطاب المشهدي الذي يرسل رسائل سينوغرافية ترفض الحب التقليدي ، وتستعذب بديلا عنه الحب غير التقليدي الذي قد يصل إلى حد الألم ومن شروطه أنه يبعث في إحساسها كل جديد. 

وتلك الرسالة السينوغرافية التي فهمها المتلقي في قول الشاعرة فاطمة:

وكيف يحد من يهوى شعورهْ؟

وتختم الشاعرة قصيدتها بقولها:

يا حلوتي 

هدّي خلايا الذكريات وحطمي

أطر التصاوير الأسيرة

ولهم.. أجلْ

مدي يديك

وحاصريهم مثلما حاصرتني ضمي اليمامة علميها

أن حرب العشق

ملحمة مثيرة


وفي خطاب تتابعي (للشاعرة اعتدال) في سينوغرافيا مشهدية تعتمد على السيرة مدخلا يأتي قولها متلسلا كما نقرأ لها: 

تلاشى زهر قلبي في صبايا

فيا ويحي 

تلاشى كالضباب

فواه

من ليال قد سقتني 

هموما كدّرت أحلى شرابي

كذلك جاء خطاب الشاعرة (فاطمة القرني) وهي ترسل لنا رسائل من ماضيها الزاهي وطفولتها التي تريد منا تذكرها، وبها قد يتبدد تساؤل المتلقي عن سبب عونتها لقصيدتها ب ( درس في الحب) فاستخدمت سينوغرافيا خطابية أنثوية وهي تصور عن :

دفء أيام الطفولة

لثغة الحرف اللحون

وعثرة القدم الصغيرة

وشقاوة جرّت ضفيرة

لهو الصبا

ويكون هدف تصويرها بالرجوع إلى سينوغرافيا الماضي الطفولي هو العودة إلى الحب الحقيقي الصادق في الماضي ورفض الحب المزيف الموجود في الحاضر، كما جعلت من كل ما تذكرته جرحا، منهلا نازفا، فتقول: 

جرح الصبا المنهلّ نزفا 

ذاك هو المقصود بالخطاب السينوغرافي " خطاب التسلسل/ التتابع المشهدي المقصود لذاته" وقد نجحت (الشاعرة اعتدال) في استدراج المتلقي إلى ساحة ذاتيتها، ونفسيتها وتلك هي الرسائل السينوغرافية التي نجحت الشاعرة في إيالها ومن المفروض أن ينجح المتلقي في فهمها .

ومن الخطاب السينوغرافي تستدعي الشاعرة (امرؤ القيس) استدعاء تناصيا غير مباشر تجدد فيه فهمنا لنفسها المتألمة قائلة:

قفا نحكِ عن بلوى سقيم مكلكلِ

بعشق الهوى بين النحول ومعولِ

وكما استدعت الشاعرة امرأ القيس تستدعي (الشاعرة فاطمة) ليلى معشوقة الشعراء، فتقول في سينوغرافيا خطابية دالة على الحب الذي تريده، وليس الحب الاعتيادي، بل هو الحب المتميز:

" ليلى" 

وأنت عرفتني لحنا 

يذيبك ملء آذان المدى

ويزلزل الدنيا حنينا

وختاما نقف مع تساؤلات الشاعرة اعتدال في خطابها الاستفهامي السينوغرافي وهي ترسل إلى المتلقي مشهدية دالة ومباشرة وكأنك تتابع مشهدا ممثلا أو ممسرحا فتقول:

فيا قلبي متى تشفى؟

فجرحي قد بدا يسري

ويا دهري متى تصفو

فقد حيرت لي أمري

وهو جرح الحب نفسه الذي صورته (الشاعرة فاطمة) وهي تقول:

جرح الصبا المنهلّ نزفًا . 





السينوغرافيا في الشعر السعودي الأنثوي..  " رسائل نمطية من خطاب مشهديّ مُتكرر للحب وآلامه"
Ehsan Logo