المخطوط عندما يكون لترميمه طرائق وفنون ومناهج علمية
تُضفي آليات ترميم المخطوط قدرًا من حضور الأبعاد العلمية المنهجية التي تصبو إلى أن تستوفي جملة من الخطوات والطرائق من أجل الوصول إلى قراءة مخطوط سليم، صحيح. إنّ تكوين منظومة من الآليات المنهجية، لترميم المخطوط، لا تلامس أوراقه فحسب ونوعيتها، ومدى توثيقها للحروف المكتوبة، لكنها تلامس أيضا شكل الكتابة، وأنواع الخطوط وأحجامها وألوانها، والمضمون والفوارق بين العناوين ومتون النصوص ، ومن هنا يتسنى لمن يعمل في مجال ترميم المخطوط الوصول إلى آلية منهجية لترميمه، حتى لا يتم محو حرف أو كلمة أو تظليلها فتصعب قراءتها عند تحقيق المخطوط وتحويله إلى كتاب مطبوع.
نسق الترميم:
ويُجمع باحثو المخطوطات على أن الترميم ليس مجرد "إصلاح" ورقي، بل هو علم وفن لصون التاريخ، حيث يؤكد الخبراء في هذا المجال على جملة من المبادئ تتجلى في : الحفاظ على الأصالة: فالهدف الجوهري يتمثل في إطالة عمر المخطوط وإيقاف التلف دون التدخل في تغيير المضمون أو إضافة معلومات جديدة، كذلك التشخيص قبل العلاج حيث يمر المخطوط بمراحل دقيقة تشمل: التنظيف الجاف، التعقيم، فحص درجة الحموضة، ومعاينة نوع الحبر، وتوثيق الحالة: أي تدخل يوثَّق بدقة؛ لفهم طبيعة التلف ومعرفة الأسباب التي أدت إليه (مثل: الرطوبة، الجفاف، القوارض، أو العفن)، والدمج بين التقنية والأصالة: حيث يُوظَّف العلم الحديث في فحص جودة الأوراق، بينما تعتمد المعالجة الفعلية على الحرفية والمهارة اليدوية الحساسة لمن يقوم بعملية الترميم.
ومن أبرز مرممي المخطوطات في العالم العربي: حسن مملوك، ورجاء راجحة، ومحمد خواتمي، من سوريا، وهو خبير ومُرمم عمل في هذا المجال لأكثر من 50 عاماً في حلب، حيث كرس مسيرته لصيانة المصاحف والوثائق الوقفية والأنساب ، ومن أهم المؤسسات الرائدة في مجال ترميم المخطوطات، :معهد المخطوطات العربية( جامعة الدول العربية) ، ومركز ترميم المخطوطات (المسجد الأقصى) ، ومتحف المخطوطات (مكتبة الإسكندرية) ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، وتذكر الباحثة جميلة بنت عبدالله المطيري مراكز ومؤسسات أخرى في كتابها الجديد : ( إحياء المخطوط : ترميم مخطوطة من الألف إلى الياء ) الذي يهدف إلى تقديم رؤية شاملة حول أهمية المخطوطات، والتحديات التي تواجه صونها، والجهود المبذولة في العالم العربي للحفاظ عليها، كما تتناول المؤلفة دور مراكز الترميم في المملكة العربية السعودية وإسهامها في إحياء هذا الإرث وتهيئته للتحقيق والنشر على أيدي الباحثين، الكتاب عبارة عن حصيلة خبرة ميدانية وعلمية أمضتها الباحثة تجاوزت خمسة عشر عامًا في مجال ترميم المخطوطات والوثائق وفهرستها تعليمًا وتطبيقًا.
وقدّم الكتابَ الدكتور عبدالله بن محمد المنيف، الذي وصفه بأنه «سيكون إضافة قيمة إلى المكتبة السعودية والعربية، ويسهم إسهاماً مباشراً في نشر الوعي بأهمية العناية بالمخطوطات وترميمها والمحافظة عليها، لأنها ذاكرة الأمة، وليُبرز دورها في ركب التاريخ الثقافي العالمي»
مراكز الترميم:
أبرز كتاب "إحياء المخطوط ترميم مخطوط من الألف إلى الياء" مجال ترميم المخطوطات؛ مستعرضًا مراكزه في الوطن العربي، وتركيز جهود المملكة في هذا المجال عبر إنشاء مراكز متخصصة في ترميم المخطوطات وتطوير التقنيات الحديثة لحفظها وإحيائها مثل: "مركز الترميم بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية"، و"معمل الترميم بمكتبة الملك فهد الوطنية"، و"مركز الملك سلمان للترميم (ترميم) التابع لدارة الملك عبدالعزيز بالرياض"، و"معمل الترميم في مكتبة الملك عبدالعزيز العامة"، و"معمل الترميم في مجمع الملك عبدالعزيز للمكتبات الوقفية".
وجاء الكتاب الصادر في 136 صفحة من القطع المتوسط، عن دار المؤلف للنشر، مشتملا على عدة موضوعات منها: "أهمية الترميم وفوائده"، و"أنواع المخطوطات"، و"الكتابة عند العرب"، و"وسائط الكتابة الأثرية"، و"مصطلحات الوراقة"، و"الأقلام المستخدمة قديمًا"، و"الأختام على المخطوطات"، و"النصوص والأوراق المصاحبة"، و"مراحل ترميم المخطوط".
معالجة المخطوطات:
أشارت الباحثة في كتابها إلى أنه اعترى المخطوطات خلال عمرها الطويل بعض عوادي الزمن، من سوء الحفظ والقوارض، والرطوبة، والجفاف، والعفن، وهو ما استدعى أن تعالج بالصيانة والترميم، حتى نشأ في مراكز حفظ المخطوطات ما يسمى بـ"مشغل الترميم"، الذي يعمل على ترميم المخطوطات ومعالجة أوراقها، ومع تقدم العلوم وثورة التقنيات أفاد ترميم المخطوطات من هذه العلوم، ووظفها في الترميم حتى غدا ترميم المخطوطات علمًا قائمًا بذاته، له مبادئه ونظرياته، وله أدواته وآلاته، ومواده، ومشاغله، وكتب فيه من البحوث ما أثرى المكتبة العربية منها، وشجع طلبة العلم على التخصص فيه، والإبداع في تطبيقاته.


