تخييل الزمن النصّي في ديوان:" تمشي خارج الورد" للشاعرة آسية العماري
عبدالله السمطي
تقترح الشاعرة آسية عبدالرحمن العماري في نصوصها لشعرية جملة من الآليات التي تمضي عبرها في تشكيل صورها وأساليبها ورؤاها الشعرية، إنها تكسر حدة الإطناب والتفاصيل والرصد والسرد الشعري لتذهب إلى منطقة التعبير الأكثر كثافة، والأكثر تشظّيًا لبنى الجمل الطويلة، وتركز على تقديم نصوصها بشكل مكثف ، يعمل على إيثار التقشف اللغوي، والكتابة عبر بنية الحذف وما يتطلبه ذلك من تكثيف وتجريد من أجل إقامة بنية مركزة تخالف النمط الشعري المعهود.
إن هذا الاختزال والتكثيف والتقشف يعطي المتلقي قدرا من التساؤل حول الدوال الغائبة، كما يمنحه قدرًا كبيرًا من البحث عن مكامن النصوص وتأويلها.
أصدرت الشاعرة آسية العماري أربعة دواوين شعرية خلال الفترة ما بين 2011-2021 هي: بشأن وردتين، أغاني البرطمان المالحة، يمكن لفستان مهجور، تمشي خارج الورد.
هنا سنشارف قراءة حول ديوانها الأخير الذي يتضمن مجموعة من النصوص القصيرة والقصيرة جدا، وهو يقدم تجربة في الكثافة الشعرية حافلة بالدلالات .
إن بنية ديوان ( تمشي خارج الورد ) بالتقشف اللغوي الشديد حتى إن النص يتشكل أحيانا من أربع كلمات.
تبدأ الشاعرة ديوانها بنص بعنوان:" الأطفال" وهو نص يستعيد لحظات الزمن الطفولية بمختلف مراميها، البراءة، الفرح، اللعب، لتومئ إلى ذاتها الشاعرة – بمعنى ما – ودخولها إلى مجال الشعر بكل فرحها الطفولي في ربط بين الكتابة الشعرية والقلب، تقول الشاعرة:
الأطفال الذين رموا حقائبهم
وتقافزوا حولي
أخبروني أنهم قرأوا قصة
التي ولدت
ولم تكن طفلة
بل شاعرة بخطأ في القلب
تنتظر طفولتها . / ص 5
هذا الاستهلال الطفولي الذي يحققه النص ، له مراميه الدالة، فالطفولة هنا مرتبطة بالشعر وبالكتابة وبالقلب، ومرتبطة بالأنا الشاعرة، الديوان نفسه قد يكون له طفولته الأولية حال القراءة من البدء ثم ينمو تدريجيا مع كل نص. هذه الحالة تشكل أيقونة ما لشاعرة ما زالت ( تنتظر طفولتها) كأن الطفولة أيضا لم تتحقق بعد. هي في مرحلة ترقب وانتظار لهذه المرحلة التي قد تنمو مع الكلمات، هل هو نموّ تذكّر أم نموّ تخيّل، أم نموّ حالمٌ؟
لا استرابة في أن ذلك يقلنا في التو كما ذكرتُ سابقًا إلى منطقة الاحتمالات والتأويلات.
وهو الأمر الذي قد يشكل سمة جمالية بازغة من سمات الديوان بوصفه كلا.
ولعل الهاجس الزمني ، كما نرى من هذا المستهل الطفيف، هو الذي يهيمن على الفروض الجمالية المبدئية في الديوان، وهو هاجس سيقلنا معه إلى رؤى متعددة . إن هذا الهاجس يتمظهر بشكل جليّ في هذا النص القصير المحكم بتكثيفه وتجريه، تقول فيه الشاعرة في صيغة حوارية:
- كم عمركِ الآنَ ؟
- شِعري القليل .
في المستوى الأوليّ من القراءة قد نكتفي بالقول: إن هذا سؤال عادي، والإجابة قد تكون عادية أيضا: ربط العمر بالشعر ، وهو شعر قليل، والعمر قليل أيضا ، لو ربطناه بنص الاستهلال: (الأطفال) .
النص بعنوان:" كم عمرك"(1), وهو رقم (1), أي أن صيغة هذا السؤال عن العمر سوف تتكرر ، وهو ما قامت به الشاعرة بالفعل
إن البداية بسؤال عن العمر تؤكد على يقينية حضور الهاجس الزمني لدى الشاعرة، وربطه بالشعر.
ففي هذا النصّ الفلاشيّ القصير جدا، تختصر الشاعرة آسية العماري كل التجربة، في سطرين -كبرق طفيف- يعبران عن خلاصة الحياة الإبداعية، تقول: - كم عمركَ الآن؟ - شِعري القليلُ الإجابة لم تكن لتوصيف الزمن، ليكون جوابا رقميا، فالرقم ليس هو الجواب النهائي للعمر
بل إن وراء العمر، حياة وتجارب، ومعايشة، وذكريات وأحلام، العمر ككتاب متعدد الصفحات، هنا الشاعرة ذهبت لحياتها الأخرى، حياة الإبداع والكتابة، وجعلت من (الشعر القليل) هذه الحياة وهذا العمر. إنه ارتباط دلالي وسميولوجي ، هذّب الكلمة في سياق تصويري، وليست أية كلمة، بل إنها: الشعر
يرتبط الشعر هنا بالحياة، بالعمر، فيضيء مواقيته من بدئها، إلى تدرج مراحل العمر ومراحل الحياة، كأن الشعر كامن في جوهر المواقيت، في اللحظات والثواني والأيام والليالي، كأنه انطلق بلا زمن ليتوج العمر بجمالياته. الحوار هنا بين الأنا والأنا الأخرى، أو بين الوعي الكامل: الوعي+ اللاوعي...
- كم عمركِ الآنَ؟ - شِعري القليلْ هكذا بدا الحوار بين الأنا المنشطرة. اختارت الشاعرة الصيغة الحوارية المتسائلة، والسؤال عن العمر ربما لا يكون محببا كثيرا لدى المرأة - بشكل أو بآخر - هنا جاءت الإفادة لتذهب إلى الشعر، وفي الشعر يتجلى البوح أكثر. هي إشارة صارخة رمزية
لاستنهاض القارئ ليذهب إلى هناك، حيث التجربة الشعرية برمتها ليتعرف على هذا العمر، وهذه الحياة، ربما كل قصيدة ، عدد القصائد هي العمر، بشكل مجازي، ربما إن تجليات الحياة مضمرة في وعي الكلمات ووعي القصائد والدواوين، هنا سيكون الاكتشاف الأمثل في الحروف لا في الأرقام.
وتكرر الشاعرة آسية العماري سؤالها الشعري الأثير : كم عمركِ؟ في ديوانها : ( تمشي خارج الورد) سبع مرات على امتداد صفحات الديوان في الصفحات : (6/15/31/51/66/83/114)، أي من الصفحة الأولى للديوان حتى الصفحة الأخيرة...
وإن كان الحضور الأول مسبوقا بنص بعنوان:" الأطفال" يومئ إلى البداية نفسها، إلى الشاعرة / الطفلة . إن آسية العماري بهذا التكرار لسؤال حول العمر، تفتح مجالا لتعدد الرؤية القارئة لحضور سؤالها المتكرر عبر صفحات الديوان، كأنها توزع خواصه الدلالية على مختلف النصوص الأخرى،
كأنها حين تربطه بالشعر تربطه بالديوان ، كأنه هو الصيغة الدلالية الأثيرة لديها التي تريد أن تصلنا بها نصوصها. وكما ذكرت من قبل فإن العمر امتزج بالشعر ، بالحياة، وبالعكس. ولعل قراءة مثلى لمختلف الإفادات التي تجيب عن سؤال :" كم عمرك؟ " سوف يقودنا إلى الوصول إلى رؤى دالة متعددة
خاصة أن الإفادات متغيرة، تربط بين حركة المشي خارج الديوان، وحركة التنقل ( أو المشي المجازي) بين صفحات الديوان، كأنها توازن وتؤالف بين الحركتين، مع قطع الوقت والزمن الذي يتنقل من مكان لمكان، ومن صفحة إلى صفحة فتتساءل عن العمر وكم مضى عليه خلال هذا التنقل؟
إن الديوان خلال المسيرة القارئة انطلاقا من صفحاته الأولى وهو يعبر عن فعل/ حركة
هذه الثنائية لا تتوقف معنا منذ النص الأول إلى النص الأخير، فالشاعرة تتمشى بنا مكانيًّا وزمانيًّا، تتمشى بنا حين تشير إلى البيت والغرفة والنافذة ثم الشارع ، والطريق، ثم تشير كثير إلى (القدمين) إلى حركة السير والخطو، فالشاعرة تطبق – بشكل مجازي تصويري- دلالات عنوانها، تتمشى خارج الورد، أو خارج الوقت الورديّ .
في ظلال هذا الوعي نحن تلقاء تجربة شعرية تحدد بالضبط وضعية ما تشكله من نصوص، ووضعية ما يمكن أن تبوح به أو ترمّز أو تدلّ ، وهذا ما يعطي آفاقا واسعا للدلالة النصية على المستويات السيميولوجية والبويطيقية والجمالية والتأويلية والأسلوبية أيضا ، على الرغم من التقشف اللغوي للنصوص وإيثار الشاعرة تقديم تجربتها بأقل عدد ممكن من الكلمات في كل نص .

