تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

هل هناك حقًّا أمة فينيقية ؟ كتاب بحثي يشكك في وجود الفينيقيين ويعدّهم اختراعًا تاريخيًّا

هل هناك حقًّا أمة فينيقية ؟ كتاب بحثي يشكك في وجود الفينيقيين ويعدّهم اختراعًا تاريخيًّا

أحوال المعرفة: خاص

 

تعيد المؤرخة البريطانية جوزفين كراول كوين النظر في مفهوم الأمة الفينيقية، وتشكك في معطياته القائمة والثابتة، في كتابها الإشكالي الصادر في ترجمة عربية بعنوان "الفينيقيون :اختراع امة". وفي رأيها أن الفينيقيين لم يكونوا أمة أو شعباً يعي ذاته. وهذا استخلاص صادِم لما هو معروف وشائع تاريخياً. 

ترى الكاتبة أنه قبل وقت طويل من اليونانيين والرومان، أبحر الفينيقيون عبر البحر الأبيض المتوسط طولًا وعرضًا، للتجارة وتأسيس المستوطنات، وأدخلوا تحسينات على فن الملاحة، وارتبطت بهم مشغولات ثقافية قيمة، لكن لا تزال هوية هؤلاء البحارة الأسطوريين لغزًا. 

هنا يغوص هذا الكتاب في الأدب القديم والنقوش والعملات والأدلة الفنية القديمة بحثًا عن الهويات التي تبناها الفينيقيون، من المشرق إلى الأطلسي، ومن العصر البرونزي إلى العصر القديم المتأخر وما بعده، ليخلص الكتاب وتخلص المؤلفة إلى أن الفينيقيين لا وجود لهم كأمة أو كجماعة إثنية، وأن تصويرهم كشعب متماسك له هوية وتاريخ وثقافة مشتركة حدث في سياق الأيديولوجيات القومية الحديثة، وهو ما يتعارض – فيما ترى المؤلفة – مع المصادر القديمة. 

ويزيد الكتاب على ذلك أن الاعتقاد في هذا السراب التاريخي أعمانا عن جماعات وهويات واضحة بناها الفينيقيون في البحر الأبيض المتوسط القديم، ليس على الإثنية أو الأمة، بل على المدينة والعائلة والممارسات الدينية والروابط الاستعمارية، ويتعقب الكتاب – عبر نحو ألفي عام – فكرة ( الانتساب الفينيقي) التي ظهرت لأول مرة لدعم الطموحات الإمبراطورية لقرطاجة ثم روما ثم لترسيخ فكرة الأمة في إنجلترا وأيرلندا، وأخيرًا لبناء الدولة في لبنان. 

يتضمن الكتاب ثلاثة أبواب حملت العناوين التالية: الفينيقيون السراب، عوالم كثيرة، هويات إمبراطورية ، وتحت هذه الأبواب الثلاثة تأتي تسعة فصول هي: لا إبل في لبنان، أبناء صور، شعب البحر، السياسة الثقافية، حلقة التوفة، متوسط ملقرت، الفينيقي الأول، عالم فينيقي جديد، جزر فينيقية. 

 

 

استخلاص صادم: 

 

منذ البداية التي تتحقق في مستهل الكتاب ومن عنوانه،  يذهب كتاب "الفينيقيون اختراع أمة" (سلسلة عالم المعرفة- الكويت)، تأليف المؤرخة البريطانية جوزيفين كراول كوين، وترجمة مصطفى قاسم، إلى أن الفينيقيين لم يكونوا أمة أو شعباً يعي ذاته. وهو استخلاص صادِم لما هو رائج ومعروف،  للمُسْتقَر في الأذهان. ولكن إن كان الأمر كذلك، فأين ومتى أصبح الفينيقيون "أمة" على النحو الشائع؟ يطرح المترجم السؤال في المقدمة، ويجيب عليه استناداً إلى قناعة بما ذهبت إليه المؤلفة، بالقول إن بعث الفينيقيين كأمة وشعب، حدث بعد انتهاء التاريخ الفينيقي تماماً؛ وبسقوط صُور أمام الإسكندر الأكبر في العام 332 قبل الميلاد، وقرطاجة أمام الرومان في العام 146 قبل الميلاد، ضمن موجات من الحماسة أبداها مفكرون هنا وهناك، لادعاء الانتساب الفينيقي لشعوبهم، بداية من البحر الأبيض المتوسط الهيلينستي والروماني، مروراً بدول ناشئة في أوروبا العصر الحديث المبكر، وصولاً إلى دول قومية معاصرة في حوض البحر الأبيض المتوسط".

 

صور، قرطاجة، روما:

يسجل التاريخ أن الفينيقيين انطلقوا من ساحل جبل لبنان وأسَّسوا بداية من القرن الـ 19 قبل الميلاد على الأقل، مستوطنات جديدة من قبرص القريبة حتى الساحل الأطلسي لإسبانيا، وذلك قبل زمن طويل من شروع اليونانيين في الهجرة غرباً. كانت المستوطنة الفينيقية الأشهر في الغرب هي قرطاجة التي أسّستها الأميرة الصورية ديدون، لتصبح قوة رئيسة في ذاتها، نافست روما على السيادة في الغرب، بل إنها كادت تنتصر عليها إبان عهد هنبعل برْقةHannibal Barca  واعتبرها المؤرخ اليوناني بوليبيوس الذي شهد دمارها النهائي على أيدي الرومان في العام 146 قبل الميلاد، أغنى مدينة على وجه الأرض في زمانها. ولكن على الرغم من ذلك، لم ينل تاريخ الفينيقيين وثقافتهم الاهتمام الكافي لدى المؤرخين والأثريين المعنيين بالعصر الكلاسيكي الذين أظهروا اهتماماً أكبر بمجد اليونان وعظمة روما. قد يرجع ذلك كما تقول المؤلفة، لاعتبارات عملية، منها الحاجة إلى تعلم اللغات القديمة، وهو ما يحدث – إن حدث – في أقسام دراسات الشرق الأدنى أو الدراسات الشرقية، ومنها أيضاً أن البقايا المادية تدرَس غالبا ضمن علم آثار الكتاب المقدّس أو علم الآثار ما قبل التاريخي. علاوة على أن عدم بقاء أدب فينيقي يخرج الفينيقيين من دائرة اهتمام أغلب دارسي العصر الكلاسيكي الذين يُدرَّبون على النصوص اليونانية واللاتينية حصراً.

هكذا يأتي هذا الكتاب البحثي الصادم ليحفز الباحثين على إعادة النظر في تاريخ متكرر لأكثر من ألفي عام، يتعلق بحضارة عريقة لها آثارها، وهو السؤال الذي قد ينتقل إلى إثارة الجدل حول وجود حضارات أخرى ، مما يجعل حقل التاريخ أكثر الحقول صخبًا وطرحًا للأسئلة الإنسانية. 

هل هناك حقًّا أمة فينيقية ؟ كتاب بحثي يشكك في وجود الفينيقيين ويعدّهم اختراعًا تاريخيًّا
Ehsan Logo