تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الجزيرة العربية موطن استئناس الخيل

الجزيرة العربية موطن استئناس الخيل

لعبت الخيل دوراً هاماً في تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده.. واشتهرت قصص البطولة والكرم التي كانت الخيل لاعباً أساسياً في تشكيلها.. فقبل الإسلام ذبح حاتم الطائي حصانه لإقراء ضيوفه وهو لا يملك أغلى منه.. وبعد الهجرة أرسل الرسول الكريم أحد الصحابة لشراء الخيل من أنحاء الجزيرة لتعين المسلمين في حربهم ضد المشركين.. وقال صلى الله عليه وسلم عنها «الخير معقود في نواصيها». ولخص الفارس الشاعر أبو الطيب المتنبي شجاعته وحكمته في قوله البليغ:

وخير مكان في الورى سرج سابح

وخير جليس في الزمان كتاب



لم يخـــلُ كتـــاب أنساب الخيل لابن الكلبي من بعض الأساطير حـــول أصل الخيل العربية، إذ ذكر أن كل الخيول العربية ترجع في أصلها إلى «زاد الرَّكب».

وتزعـــم الأساطيــر أنـــه مـــن بقيـــة جياد سليمـــان، عليه السلام، وأن فحول  الجياد العربية من نسله.

وليس هناك شك في أن الحصان كان جزءاً أساسياً من الثقافة والحضارة العربية، ومع ظهور الإسلام انتشرت الخيول العربية في المناطـق المجاورة حتى وصلت إلى أفريقيا وآسيا الوسطى وأوروبا.

وعلـــى الرغم مـــن عدم وجـــود أدلة قاطعة علـــى أصل وتطور الحصان في شبـــه الجزيرة العربية، إلا أن هناك بعض الأدلة المثيرة للاهتمام على وجود الخيول تتمثل في العدد الكبير من الرسومات الصخرية التي تنتشر في أماكن كثيرة في المملكة العربية السعودية. وفي الحفريات الأثرية التي أجريت في العلا، وتيماء، وثاج، ونجران وأجزاء أخرى من المملكة، تم العثور على بعض التماثيل الطينية للخيول ولكن لم يتـــم اكتشاف معثورات أخرى يمكن ربطها بصلة مباشرة بتربية الخيل وإنتاجه.

الحفريات تثبت أن استئناس الخيل عرف في الجزيرة العربية قبل 9 آلاف سنة

رغـــم الظـــن الـــذي ســـاد أن الحصان استؤنس قبل خمسة آلاف عام في وسط آسيا فإن الاكتشافات الحديثة لرسومات ومجسمات الخيول في كل مـــن «الشويمس» في شمال المملكـــة وموقع «المقـر» في جنوبها قد غيرت وبشكل جذري تاريخ وجـــود الحصان في الجزيـرة العربية وكذلك تاريخ استئناسه. فالآن يمكن القول وبحق الحصان لم يجلب إلى الجزيرة العربية من وسط آسيا في الألف الأول أو الثاني قبل الميلاد، ولكنــه كان موجوداً في فـترة العصر الحجري الحديـــث منذ تسعة آلاف سنة.

أهمية الاكتشاف 

يقـــول الأستـــاذ الدكتـــور سعـــد الراشد مستشار رئيس الهيئـــة العامة للسياحة والآثار «هـــذا الاكتشاف يعـــد نقطـــة تحـــول في تتبــع نشوء الحضارات وتطورها في الجزيرة العربية ومعرفة جـــذور الاستقرار الحضاري، وارتباط الإنسان بالتكوين البيئي الذي تشكل في العصر الحجري الحديث. ومن أهم المكتشفات الأثرية في الموقع القطع المصنوعة والمنحوتة من الحجر والرســـوم الصخريـــة المرتبطة بالخيل، فهذه الشواهد الأثرية تدل بـــدون أدنى شك على الرقي الحضاري لسكان هذه المنطقة في فترة مبكرة من حضارة الجزيرة العربية، وتأتي تتويجاً لمسيرة النشاط الأثري في المملكة العربية السعودية المتواصل منذ أربعين عاماً، والتي رصدت ووثقت وكشفت عـــن آلاف المواقع الأثرية التي ساعدت في بناء خارطة زمنية تحدد التتابـــع التاريخي على أرضها وتواصلها مع ثقافات وحضارات الشعوب والأمم في بلاد الشرق الأدنى القديم».


يستشعر الكثير مـــن الخــبـراء أهميـــة الموقـــع حيث يعـــد وجود أشكال كبيرة الحجم للخيل في هـــذا الموقع مقترنـــة بمـــواد أثريـــة مـــن العصر الحجري الحديـــث يرجـــع تاريخهـــا إلـــى 9000 سنـــة، اكتشافاً أثريـــاً مهماً علـــى المستـــوى العالمي، حيـــث أن آخـــر الدراسات حول استئناس الخيل تشير إلى حدوث هذا الاستئناس لأول مرة في أواسط آسيا (كازاخستان) منذ 5500 سنة. وهذا

الاكتشاف يؤكـــد أن استئناس الخيـــل تم على الأراضي السعوديـــة في قلـــب الجزيـــرة العربيـــة قبل هـــذا التاريخ بزمن طويل.

الاكتشافات الأثرية

تنتشر علـــى سطح الموقـــع مـــواد أثريـــة متنوعة من الأدوات الحجرية التي تشمل رؤوس السهام والمكاشط دقيقـــة الصنع - مـــن الأنواع التـــي استخدمها الإنسان في فترة العصر الحجري الحديث. كما عثر بالموقع على أشكال لحيوانات متعددة استأنسها الإنسان الذي عاش في هـــذا الموقـــع، واستخدم بعضها الآخر في نشاطاته وحياته اليومية، ومن هذه الحيوانـــات: الضأن والماعز والنعام، والكلب السلوقي، والصقر، والخيل.

وتدل المواد الأثرية الموجودة بالموقع على أن فترة العصر الحجري الحديـــث، هي الفترة الأخيرة التي عاش فيها الإنسان في هذا المكان قبـــل (9000) سنة قبل الوقـــت الحاضر، وإليها يعود تاريـــخ الأدوات الحجرية التـــي تم التقاطها مـــن �سطح الموقـــع. كما عثر بالموقع على شكل حصان يحمل ملامـــح الخيل العربية الأصيلة ويبدو ذلك واضحاً في طول الرقبة وشكل الرأس. ويبلغ طـــول الحصان 100 سم، ولم يعثر من قبـــل على أشكال حيوانات بهذا الحجم في أي موقع آخر في العالم من هذه الفترة نفسها.

وكشف التنقيب عـــن استخدام بعض الكهوف المجاورة لحسن الموقع كمقابر لسكان الموقع في تلك الفترة، حيث عثر في بعضها على هياكل عظمية بشرية مدفونة، وبعضها مغطى بطبقة من الطين والقش، في أسلوب أشبه بالتحنيط، ويعد ذلك رقياً كبراً في أساليب دفـــن الموتى، كذلك عثر بالموقع علـــى مساحن لسحق الحبوب، ونجر حجري، وثقالات تستخدم في أنوال النسيج، وبكرات للغزل والنسيج، وجزء من إناء حجر صابوني يحمل زخرفة هندسية بالحز، وأدوات حجرية لمعالجة الجلود.

كنز حضاري وتاريخي

جمعـــت مـــن سطـــح الموقع أكثر مـــن 80 قطعـــة أثرية، تشير إلى حضارة إنسانية متقدمة جداً من فترة العصر الحجري الحديث شهدتها هذه المنطقة قبل 9000 سنة، وأن هـــذه الحضارة تعد ثورة حقيقـــة في معرفة الإنسان ومدنيته وتطور مهاراته الحرفية.

وقد أجمع خراء وعلماء آثار سعوديون على أهميَّة اكتشاف موقع «المقر» الأثري، حيث صرح الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الطيب الأنصاري، عالم الآثار وعضو اللجنة الاستشاريَّة للآثار والمتاحف، قائلًا: «إن بلدنا في جنوبها وشمالها تثبت أنَّها تزخر بآثار موغلة في التاريـــخ». كمـــا أكد الدكتور علي الغبان نائب رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار علـــى أن حضارة «المقر» تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن استئناس الخيل العربية عرف في الجزيرة العربية قبل 9000 سنة.

تحليل عينات الموقع

تدل المـــواد الأثرية الموجودة بالموقع على أن فترة العصر الحجري الحديث، هي الفترة الأخيرة التي عاش فيها الإنسان في هـذا المكان قبل (9000) سنة، وإليها يعود تاريخ الأدوات الحجرية التي تم التقاطها من سطح الموقع.

ولتأكيد تاريخ الموقع، تم أخـــذ أربع عيّنات من المواد العضوية المحروقة من طبقات الموقع وتم إرسالها لتحليلها في معامل خاصة لمعرفة تاريخ الموقع، وجاءت تواريخ العينات في بدايـــة الألف التاسع قبل الوقت الحاضر. وتم تحديد التاريخ باستخدام تحليل درجة الكربون المشع، وقد أعطت جميعها تواريخ متوافقة إذا ما أخذنا بمعامل الزيادة والنقصان -/+ 50 سنة.

وعليه فإن العينات الأربع تراوحت في تاريخها ما بين 8100 إلى 7900 سنة.


الجزيرة العربية  موطن استئناس الخيل
Ehsan Logo