حازت على جائزة وزارة الخارجية الأمريكية العالمية لشجاعة المرأة سامية العمودي في : مذكرات امرأة سعودية : من مطبخ الأم إلى البيت الأبيض
ربما اعتدنا كثيرًا على أن يكتب المثقفون والأدباء السعوديون والشخصيات العامة مذكراتهم وسيرهم الذاتية بعد تجارب كبيرة في الحياة ، وذلك من أجل إبراز منجزاتهم أو أعمالهم للقارئ العام وللأجيال الجديدة، وظهرت في ذلك كتب كثيرة في هذا المجال، يرصدها الدكتور عبدالله الحيدري في ( 90) سيرة ذاتية، في مقالته :" السيرة الذاتية في المملكة العربية السعودية) المنشورة بصحيفة الجزيرة ( 6 نوفمبر 2020) لكن أن تكتب امرأة سيرتها الذاتية أو تعد كتابا عن مذكراتها، فهذا لم يحدث كثيرًا في الساحة الثقافية بالمملكة.
كانت سيرة الأديبة الروائية ليلى الجهني هي أول سيرة ذاتية لكاتبة سعودية وحملت عنوان:" أربعون : في معنى أن أكبر" ( دار الآداب، بيروت 2010) تلتها سيرة للروائية أميمة الخميس بعنوان:" ماضي مفرد مذكر" ( دار الانتشار العربي، بيروت 2011), ثم سيرة لهدى الدغفق : " أشق البرقع أرى" ( دار جداول، بيروت، 2011), وهي سير تتعرض لتدرجات الحياة الشخصية والواقع وآفاق الكتابة عندهن، بتصويرات مركزة، ومشاهد متقطع تشكل جنبا إلى جنب بعض الملامح السرية في تجاربهن الأدبية، والملاحظ أن الأديبات هن من بدأن كتابة السير الذاتي ، سبقتهن محاولة لم تكتمل للأديبة الشاعرة سلطانة السديري سنة 1989م كانت قد نشرت بعض حلقاتها في مجلة اليمامة.
لكن أول سيرة ذاتية خارج نطاق الأدب هي السيرة التي كتبتها الطبيبة الدكتورة سامية العمودي بعنوان:" مذكرات امرأة سعودية" وصدرت عن دار مدارك للنشر، وهي سيرة تقدم تجربة إنسانية سعودية عربية عالمية.
مخاض عسير:
الدكتورة سامية العمودي طبيبة سعودية، وناجية من سرطان الثدي، وهي أول خليجية يتم ترشيحها لمجلس إدارة الاتحاد الدولي للسرطان بجنيف، ناشطة عالميا في مؤسسة سوزان . ج. كومن للسرطان بالولايات المتحدة الأمريكية.
تقول د. سامية العمودي في مقدمة مذكراتها:" حملت هذه المذكرات أعوامًا، وترددتُ في نشرها عدة مرات، المخاض كان عسيرًا، استغرق من عمري زمنا، ومن صحتي ثمنا، فلما انتهت ورأت النور أخيرًا، حملتُها أضعها بين يديكم وكلي خوف ورهبة، ممزوجة بفرحة محب يهدي من يحب ويود أن يرى شيئا في عيون الأحبة. ...
لو أغبتكم أحرفي فسامحوني، فلم أقصد هذا، لو خانتني الذاكرة في أمر فسامحوني أيضا، فهذه أحرف بشر يخطئ ويصيب.
أخيرًا كل ما أريد، أن تقرأوا بقلوبكم، وتتركوها مشرعة لكل ما في داخل المرأة الإنسان التي سكبت ذكرياتها ومذكراتها عطرًا عل وعسى أن تتغير اللحظات وتصبح ذات عبق مختلف" .
وقد انطوت مذكرات العمودي على تسع فصول، ووقعت في (480) صفحة ، وجاءت الفصول كالتالي: الطفولة والشباب، الطب وتخصص النساء والتوليد، الزواج والأبناء، الأدب والإعلام في حياتي، العمل في القطاع الخاص، إصابتي بالسرطان، برنامج الشراكة مع أمريكا، الكرسي والمركز، التمكين الطبي والمجتمعي، والحقوق الصحية، وتحت هذه العناوين تندرج عشرات العناوين التي شكلت التجربة الإنسانية للمؤلفة، وهي تحكي عن قصتها كأم وطبيبة، وناجية، وكاتبة ابتداء من تاريخ مولدها الذي أصبح له دلالة غريبة بعدها بأعوام وطفولتها التي انتقلت بها كما تقول :" من مطبخ أمي إلى البيت الأبيض" .
دراسة الطب:
تحكي الكاتبة عن زمن كانت فيه دراسة الطب محفوفة بالمعوقات وكيف استطاع جيلها حفر الصخر وتعبيد الطرق للأجيال من بعده لتكون مسيرة الطبيبة السعودية أنموذجا لصمود المرأة.
كما تحكي عن حبها للأدب والكتابة وعشقها للحرف من خلال بداياتها الصحفية منذ أن كانت طالبة وكيف كانت بدايات كتابة المرأة.
إن نقطة التحول عند الكاتبة كانت إصابتها بسرطان الثدي في أبريل 2006م وكيف أسمتها : رسالة حب من الله وكيف تحدت المرض وكرست حياتها للوعي بالسرطان حتى تحولت إلى رمز للصبر والعطاء.
بدأت الكاتبة مذكراتها بالطفولة وأول مدرسة وأول معلمة، وعلاقتها بأمها التي كانت تجلسها على كرسي في المطبخ وهي في الرابعة من عمرها وتعلمها القرآن الكريم، :" كبرتُ وكبرتْ أحلامي، كانت أمي تعاني من الحرمان وأكبره حرمانها من التعليم وكانت تعوض ذلك بالقراءة والثقافة" وتحدثت الكاتب عن مراحل تعليمها حتى دخولها كلية الطب: " عندما كنت في الثانوية العامة لم يكن هناك كلية للطب عندنا، وكان المتاح هو أن نعمل مدرسات" لكن مع صدور قرار من الملك فيصل – رحمه الله – بإنشاء كلية للطب في مدينة جدة التحقت الكاتبة بكلية الطب، وسردت الكاتبة مرحلة تعليمها بكلية الطب جامعة الملك عبدالعزيز بجدة حتى حفل التخرج في يوم الخميس 7 جمادى الآخرة 1402هـ / 1982م وكانت أول دفعة تضم (24) طبيبة.
في البيت الأبيض:
وتسرد الكاتبة بعد فصول خبر حصولها على جائزة شجاعة المرأة عالميا في العام 2007م من أمريكا، وهي أول امرأة عربية تحصل عليها في مجال سرطان الثدي، " في يوم الأربعاء 9 يناير 2008 جاءها اتصال من ( سوزان زيادة) من سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالرياض " وأبلغتني بأن البيت الأبيض أرسل لهم يخبرهم برغبتهم أن ألتقي برئيس الولايات المتحدة الأمريكية" والذي سيكون في زيارة رسمية للمملكة في هذه الفترة" . وتحكي عن دخولها البيت الأبيض بعد ذلك في السابع من أكتوبر 2008 " وفعلا دخلنا وأمامي رجال حراسة على أعلى مستوى، وجاءت السيدة الأولى كعادتها في كل مرة أراها فيها، بشوشة متواضعة تشعرك بأنك من معارفها المقربين، وتبادلنا السلام والحوار لدقائق، وطلبوا منا لوقوف لأخذ صورة تذكارية، وهكذا شاء لي الله ودخلت البيت الأبيض والتقيت السيدة الأولى في منزلها، وتكررت لقاءاتي بها مرة أخرى لكي يظل لدخولي البيت الأبيض عبق وذكرى" .

